2021-02-06
السؤال:
السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته شخص يطلب آخر مبلغا، فوقع بيد الدائن مال نقدي وعيني يخصّ المدين ناتج عن إرث فهل يجوز للدائن أخذ المبلغ، علمًا أنّه لا يسد كلّ ما يطلبه؟ وجزاكم الله سبحانه خيرًا.

من: أبو أحمد

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.
هذه المسألة تُعْرف عند السادة الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بـ (الظَفَرِ).
ولهم فيها آراء متعددة، كما أنّ لها صورًا شتى.
الرأي الأوّل: ذهب إلى الكراهة، مستدلًا بقول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله.
فمع أنّ الحديث الشريف ينهى عن خيانة مَنْ خانك، والنهي يفيد التحريم إلّا أنّ الصارف عن التحريم إلى الكراهة دلالةُ الآياتِ في جوازِ مجازاةِ السيِّئة بمثلها وهي في قوله عزّ وجلّ:-
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا —} [سورة الشورى: 40].
وقوله:-
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ —} [سورة النحل: 126].
وغيرِها من الآيات الكريمات.
الرأي الثاني:- ذهب إلى مشروعيةِ الأخذِ قَدْرَ حقِّه مِنْ مالٍ ظَفِرَ به فيَستوفي حقَّه، وما زاد عن حقِّه ردَّه له أو لورثتِه، وإِنْ كان دون حقِّه بقي في الذمَّةِ يطالبه به.
واستدلوا بقوله تعالى:-
{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [سورة الشورى: 39، 40].
وقوله:-
{— وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 194].
وقوله صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم لهندٍ زوجةِ أبي سفيان رضي الله عنهما:-
(خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
لِحقِّها في النفقةِ.
ثمّ إنَّ استردادَ المظالمِ واستيفاءَ الحقوق ليس أكلًا بالباطل، والذي نهى ربنا عنه بقوله:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ —} [سورة النساء: 29].
والحديثُ لا وجهَ للاحتجاجِ به في هذه المسألةِ لأنّه لا يُعَدُّ انتصافُ المرءِ خيانةً، بل هو حقٌّ وواجبٌ، وإنّما الخيانةُ أَنْ يخونَ بالظلمِ والباطلِ مَنْ لا حقَّ له عنده.
وفي ذلك يقول الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَلَيْسَ انْتِصَافُ الْمَرْءِ مِنْ حَقِّهِ خِيَانَةً، بَلْ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَإِنْكَارُ مُنْكِرٍ، وَإِنَّمَا الْخِيَانَةُ أَنَّ تَخُونَ بِالظُّلْمِ وَالْبَاطِلِ مَنْ لَا حَقَّ لَك عِنْدَهُ، وَلَا مِنْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ إلَيْك مِنْ حَقِّك، أَوْ مِنْ مِثْلِهِ إنْ عَدَمَ حَقَّك، وَلَيْسَ رَدُّ الْمَظْلَمَةِ أَدَاءَ أَمَانَةٍ، بَلْ هُوَ عَوْنٌ عَلَى الْخِيَانَةِ) المحلى بالآثار (6/493).
قال الإمام السرخسي رحمه الله جلّ في علاه:-
(صَاحِبَ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ) المبسوط (28/165).
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلَّى الله تعالى على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.