2021-02-06
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي وأدام الله تعالى هذا الموقع المبارك ورفع مقامكم في الدنيا والآخرة، لديّ سؤال:-
هل يجوز للمشايخ أنْ يصلّوا صلاة الاستسقاء في الجامع أو تحديدًا بعد صلاة الجمعة وذلك لصعوبة جمع النّاس في مكان واحد بسبب أوضاع البلد؟ وهل يجوز الاكتفاء بالصلاة فقط دون الدعاء؟
وجزاكم الله تعالى كلّ خير.
من: يحيى صادق
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
الاستسقاء هو الدعاء بطلب السقيا من الله جلّ وعلا ويشرع إذا أجدبت الأرض، وانقطع المطر، ويكون على ثلاث كيفيات:-
الأولى:- صلاة الاستسقاء جماعة مع الخطبة والدعاء.
فعَنْ سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-
(خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ خَطَبَنَا، فَدَعَا اللهَ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ قَلْبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ.
الثانية:- الدعاء بطلب الغيث في خطبة الجمعة دون صلاة.
فعَنْ سيّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه، قَالَ:-
(أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَ المَالُ وَجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الغَدِ وَبَعْدَ الغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ – أَوْ قَالَ: غَيْرُهُ – فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا» فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ، وَسَالَ الوَادِي قَنَاةً شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ) الإمام البخاري رحمه الباري تقدست أسماؤه.
الجَوْبَةُ: أَي الفُرْجَةُ المُسْتَدِيْرَةُ فِي السَّحَابِ، أَوْ أَحَاطَتْ بِهَا المِيَاهُ كَالحَوْضِ المُسْتَدِيْرِ.
الثالثة: الدعاء بطلب السقيا من الله سبحانه في أيّ وقت من غير صلاة ولا خطبة.
فعَنِ الإمام الشَّعْبِيِّ رحمه الله جلّ في علاه:-
(أَنَّ سيّدنا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَسْقَى فَقَالَ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [سورة سيّدنا نوح عليه السلام: 11]، فَقِيلَ لَهُ: مَا سَمِعْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي تُنْزِلُ الْقَطْرَ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ في علاه.
وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله جلّ جلاله وعمّ نواله ما نصّه:-
(— وَالِاسْتِسْقَاءُ طَلَبُ السُّقْيَا وَيُقَالُ سَقَى وَأَسْقَى لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَقِيلَ سَقَى نَاوَلَهُ لِيَشْرَبَ وَأَسْقَيْتُهُ جَعَلْتُ لَهُ سُقْيَا، وقُحُوْط الْمَطَرِ -بِضَمِّ الْقَافِ وَالْحَاءِ- امْتِنَاعُهُ وَعَدَمُ نُزُولِهِ، وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِهِ: سُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَسْقِيَ عِبَادَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ، قَالَ فِي الْأُمِّ وَأَصْحَابُنَا: وَالاسْتِسْقَاءُ أَنْوَاعٌ (أَدْنَاهَا) الدُّعَاءُ بِلَا صَلَاةٍ، وَلَا خَلْفَ صَلَاةٍ فُرَادَى وَمُجْتَمِعِينَ لِذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَحْسَنُهُ مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ. (النَّوْعُ) الثَّانِي وَهُوَ أَوْسَطُهَا: الدُّعَاءُ خَلْفَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يُقِيمُ مُؤَذِّنًا فَيَأْمُرُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ أَنْ يَسْتَسْقِيَ وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الدُّعَاءِ فَمَا كَرِهْت مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ (النَّوْعُ الثَّالِثُ) أَفْضَلُهَا وَهُوَ الِاسْتِسْقَاءُ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ —) المجموع شرح الهذب (5/64).
والخلاصة:-
يسنُّ الاستسقاء جماعة، ويصح منفردًا، ويسنّ بصلاة، ويصحّ بدونها، ويستحبّ في الصحراء، ويصحّ في المسجد، ويندبُ في خطبة الجمعة، ويصحّ في غيرها.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على قدوتنا سيّدنا محمّد، وعلى آله صحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.