2021-02-09
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي وقرّة العين رضي الله عنكم ونفعنا الله بكم، ونسأله تعالى أنْ يديم عليكم الصحة والعافية. سؤالي هو:-
رجل مريض وكتب في ورقة مثبتة في المستشفى أنّه إذا وصل إلى حالة كما نقول (يُرثى لها) أو أنّه شارف بمرضه على الموت، لا يقبل ولا يسمح للأطباء بعلاجه أو إنقاذه لإبقائه على قيد الحياة ضمن الأخذ بالأسباب العلمية والطبيّة.. طبعًا القانون في تلك الدولة مثلا يسمح للشخص بأنْ يوصي بذلك.. فهنا؛ ما هو حكم الشخص المريض؟ هل يعتبر منتحرًا إذا مات بسبب طلبه هذا دون علاجه؟ وما هو الحكم المتعلّق بالأطباء الذين باستطاعتهم إنقاذ حياة ذلك المريض؟
جزاكم الله تعالى كلّ خير عنّا وعن المسلمين وبارك بهذه الروضة العلمية المباركة.
من: عبد الله أحمد الجميلي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ وعلا أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجملك بتقواه، إنّه سبحانه لا يرد مَنْ دعاه، ولا يخيب مَنْ رجاه.
من المعلوم أنّ هذا الدِّيْنَ الذي أكرمنا به ربّ العالمين جلّ جلاله عالميٌّ فيه صفة العموم، لذا فإنّه يعتني بكلّ جوانب حياة الإنسان، بل الخلق أجمعين، قال عزّ من قائل:-
{— إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام: 90].
فلا يحصل من حدث إلّا وله حكم.
وللعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في التداوي أقوال:-
فمنهم مَنْ قال بالإباحة، ومنهم مَنْ حكم بالاستحباب، وقال آخرون بالكراهة، وذهب البعض إلى الوجوب إذا تيقّن أو غلب على الظنّ نفع الدواء للمريض، أو هلاكه بتركه، لأنّ الشرع الشريف أمر بحفظ النفس، قال الله جلّ في علاه:-
{— وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ —} [سورة البقرة: 195].
وقال:-
{— وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [سورة النساء: 29].
وَعَنْ سَيِّدِنَا أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ ذكره.
قال الإمام الزيلعيّ الحنفيّ رحمه الله الوليّ جلّ ثناؤه:-
(وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ تَدَاوَى إذَا كَانَ يَرَى أَنَّ الشَّافِيَ هُوَ اللَّهُ دُونَ الدَّوَاءِ، وَأَنَّ الدَّوَاءَ جَعَلَهُ سَبَبًا لِذَلِكَ، وَالْمُعَافِي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ، وَمَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي فَذَاكَ إذَا كَانَ يَرَى الشِّفَاءَ مِنْ الدَّوَاءِ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَالَجْ لَمَا سَلِمَ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (6/32).
وقال الإمام النووي رحمه الله جلّ في علاه:-
(وَيُسْتَحَبُّ التَّدَاوِي لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي التَّدَاوِي وَإِنْ تَرَكَ التَّدَاوِيَ تَوَكُّلًا فَهُوَ فَضِيلَةٌ) المجموع شرح المهذب (5/106).
وقال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية جلّ شأنه:-
(فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي التَّدَاوِي هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ؟ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ؛ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ: مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَقَاءُ النَّفْسِ لَا بِغَيْرِهِ) مجموع الفتاوى (18/12).
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع 1412 هـ، 69/ 5/7 ما يلي باختصار:-
—
ثانياً: علاج الحالات الميؤوس منها:-
أ- ممّا تقتضيه عقيدة المسلم أنّ المرض والشفاء بيد الله عزّ وجلّ، وأنّ التداوي والعلاج أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون، وأنّه لا يجوز اليأس من رَوْحِ الله جلّ جلاله، أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله جلّ وعلا. وعلى الأطبّاء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه.
ب- إنّ ما يعتبر حالة ميؤوسًا من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء وإمكانات الطبّ المتاحة في كلّ زمان ومكان وتبعًا لظروف المرضى.
ثالثاً: إذن المريض:-
أ- يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية، فإذا كان عديم الأهلية، أو ناقصها، اعتبر إذن وليّه حسب ترتيب الولاية الشرعية ووفقًا لأحكامها التي تحصر تصرّف الوليّ فيما فيه منفعة المولى عليه ومصلحته ورفع الأذى عنه.
على أنْ لا يُعتد بتصرّف الوليّ في عدم الإذن إذا كان واضح الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحقّ إلى غيره من الأولياء ثمّ إلى وليّ الأمر.
وعليه:-
فإنْ لم يأذن هذا المريض للأطباء في علاجه فلا يُكره على التداوي فربما يسبّب له العلاج ألمًا جسديًّا أو نفسيًّا، ولا يعدّ منتحرًا لأنّ الانتحار هو قتل النفس بشيء معين عمدًا، وترك العلاج لمرض ميؤوس من شفائه ليس كذلك.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، طبّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وقوت الأرواح وغذائها، وعلى آله وصحبه أجمعين.