2021-02-09
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سيدي حضرة الشيخ سعد الله حفظكم الله ورعاكم.
أسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أنْ يمنّ عليكم وعلى جميع السادة المرشدين المربيين (رضوان الله عليهم أجمعين) بالصحة والعافية، وأنْ يمتّعنا بحياتكم، وأن يكرمنا بالفوز برضوانه وجناته مع سيّد الخلق المصطفى (صلّى الله عليه وسلّم). 
سيّدي سؤال:
كيف يحصل الشخص السالك على أجر المرابط في سبيل الله (جلّ جلاله وعمّ نواله) الذي ينمي عمله بعد موته؟ وما هو السبيل إلى ذلك؟
حفظكم الله ورعاكم ومتعكم بالصحة والعافية.

من: خادمكم المقصر

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهلكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
قال مولانا عزّ شأنه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 200].
وعن سيّدنا فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله تعالى عنه، قال، قال سيّدُنا رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

الأصل بالرباط هنا هو الملازمة في سبيل الله جلّ وعلا، أي الإقامة في الثغور، وهي الأماكن التي يخاف على أهلها من أعداء الإسلام. فالمرابط هو المقيم فيها، المعدّ نفسه للجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ، والدفاع عن دينه وعن المسلمين.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى:-
(وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا الْآيَةَ الرِّبَاطُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُم —) فتح الباري (6/85).
فالجهاد أمره عظيم، وهو من الأعمال الفاضلة، وقد يكون فرض عين، أو فرض كفاية، أو سنّة، على حسب الأحوال، ويشمل السالك وغيره وعليه آكد.
قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
ومنه أيضا مجاهدة النفس، أي مراقبة قلبه وعينه وسمعه ولسانه وغيرها كي لا يقع فيما يغضب الله جلّ شأنه، فيكون عندئذٍ مرابطا.
ومن الرباط جلسات الذكر لله عزّ وجلّ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، قال الصادق المصدوق سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الذوق:-
(أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ ذكره.
الخلاصة:-
أنّ العبد يكون مرابطا حينما يكون على ثغر من ثغور الإسلام، أو متشرّفًا بذكر الله جلّ في علاه.
وأذكّر بضرورة تصحيح النيّات في كلّ الطاعات لينال أجرها، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّ اللهمّ وسلّم على سيّدنا محمّد صلاة تخرجنا بها من ظلمات الوهم، وتكرمنا بنور الفهم، إنّك أنت الأعزّ الأعلم، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.