2021-02-10
السؤال:
السلام عليك شيخي الفاضل ورحمة الله وبركاته أسمع كثيرا عن أناس يموتون وتخرج أرواحهم ويعيشون حياة البرزخ ويرون من الأهوال الأمر العجيب، وبعضهم في عالم البرزخ ويلتقون بأقاربهم وأهليهم الذين ماتوا قبلهم وقضوا نحبهم ثمّ ترجع لهم الروح ويعودون للدنيا ثمّ يروون قصصهم وهم أحياء ويتمون بقية آجالهم، وقد سبق في علم لله سبحانه وتعالى [أنّهم إليها لا يرجعون] فأصبح لديّ لبسُ في الفهم.
أرجو من فضيلتكم توضيح ما التبس عليّ، وجزاك الله عني وعن المسلمين خيرا

من: سندس محمود قاسم

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهلكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
الأصل أنّ مَنْ توفّاه الله عزّ وجلّ لا يعود إلى الحياة مرّة أخرى، وأكثر ما روي من أخبار في هذا الموضوع لم تكن وفاة متحققة وإنّما كانت حالة تشبه الوفاة كتوقف القلب مثلا أو غيرها من الأسباب التي ذكرها الأطبّاء، وهذا ما بيّنته في جواب السؤال المرقم (2443) فأرجو مراجعته.
لكن من ناحية واقعية حدث هذا لأنّ الله جلّ وعلا قدّر أنْ تكون هناك بعض الحالات الاستثنائية على وجه الندرة لإقامة الحجّة على بعض الخلق في إثبات قدرته سبحانه، وهذا واضح في قوله تبارك اسمه:-
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة البقرة: 55، 56].
فعودة الحياة للميت تصحّ كمعجزة لنبيّ، كما قال الحقّ عزّ شأنه في حقّ سيّدنا عيسى عليه السلام:-
{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 49].
أو بيانٍ من الله جلّ ذكره جوابًا لسؤال سائل، كما حصل مع سيّدنا عُزَيْر عليه السلام:-
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة البقرة: 259].
وهناك آيات كريمة أخرى تدلّ على عودة الحياة بعد الموت منها:-
قوله جلّت قدرته:-
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 72، 73].
وقوله:-
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [سورة البقرة: 243].
أو يكون ذلك كرامة لوليّ، فقد قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ، غَيْرَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَقْتَرِنُ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْكَرَامَةُ لاَ تَقْتَرِنُ بِذَلِكَ) الموسوعة الفقهية الكويتية (45/182).
عَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّى قَضَى، فَبَسَطْنَا عَلَيْهِ ثَوْبًا وَأُمٌّ لَهُ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقُلْنَا لَهَا: يَا هَذِهِ احْتَسِبِي مُصِيبَتَكِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَتْ: وَمَاتَ ابْنِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَتْ: حَقًّا تَقُولُونَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَدَّتْ يَدَيْهَا فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَسْلَمْتُ لَكَ وَهَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِكَ رَجَاءَ أَنْ يُغِيثَنِي عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ، فَلَا تَحْمِلْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ الْيَوْمَ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ مَا بَرِحْنَا حَتَّى طَعِمْنَا مَعَهُ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
وقد ذكر الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم إمكانية حصول ذلك:-
قال الإمام الصاوي رحمه الله سبحانه:-
(قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمَجْمُوعِ: وَرَأَيْت بِخَطِّ النَّفْرَاوِيِّ شَارِحِ الرِّسَالَةِ: لَوْ أُحْيِيَ مَيِّتٌ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ لَهُ غُسْلٌ وَتَجْهِيزٌ ثَانٍ) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/542).
وقال الشيخ عبد الغني اللَّبَدي النابلسي الحنبلي رحمه الله تعالى:-
(فَائِدَةٌ: لَوْ مَاتَ شَخْصٌ، فَأَحْيَاهُ اللهُ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ فَلَا تُعَادُ لَهُ تَرِكَتُهُ بَعْدَ تَحَقّقِ مَوْتِهِ. وَكَذَا لَا تَحِلُّ لَهُ زَوْجَتُهُ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيْدٍ) حاشية اللبدي على نيل المآرب (2/269).
والله جلّت صفاته أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد الخلق، وحبيب الحقّ، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والذوق.