2021-03-07
السؤال:
والدي حفظه الله تعالى باع بيتا له في بغداد قبل 5 سنوات، وبقي على المشتري ثلث المبلغ تقريبًا، وقد وَعد بتسديده لكنّه لم يفِ وبقي يماطل طيلة هذه الفترة بالرغم من مطالبتنا له، وفي كلّ مرة يعطينا أعذارا كاذبة، حتى تبيّن أنّه قسم البيت قسمين وقد استأجر أحدهما، دون أنْ يخبرنا بذلك، علمًا أنّ والدي لم يحوّل البيت باسم المشتري لحد الآن بسبب المبلغ المتبقي عليه، فهل يحقّ لوالدي شرعًا أنْ يلغي البيع مع هذا الرجل ويبيعه لشخص آخر؟ وعلى والدي دَيْنٌ يريد أنْ يسدّده من خلال هذا البيع.
من: سائلة
الرد:-
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد، وبعد:-
الوفاء بالعهود والعقود والمواثيق من صفات المؤمنين؛ قال عزّ من قائل:-
{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [سورة الرعد: 20].
والبيوع من المعاملات التي ينبغي للمسلم أنْ يفي بما عاهد وتعاقد عليه من بنود الاتفاق، وللجواب عن السؤال ينبغي معرفة الآتي:-
أولاً:-
إذا تمّ البيع، انتقل ملك البيت إلى المشتري، وانتقل الثمن إلى البائع، وما بقي من الثمن يكون دَيْنًا على المشتري، ويحرم عليه أنْ يُماطل في سداده، خاصّة إذا كان غنيًّا أو قادرًا على الأداء لقول حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) متفق عليه.
ومعنى المطل: التأخير؛ أي: تأخير الغني الواجد للمال قضاء ما عليه من الدَّين، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ جلاله:-
(وَأَصْلُ المطل الْمَدّ. قَالَ ابن فَارِسٍ: مَطَلْتُ الْحَدِيدَةَ أَمْطُلُهَا مَطْلًا إِذَا مَدَدْتُهَا لِتَطُولَ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْمَطْلُ الْمُدَافَعَةُ. وَالْمُرَادُ هُنَا: تَأْخِيرُ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَالْغَنِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي تَفْرِيعِهِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا: مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَأَخَّرَهُ، وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا) فتح الباري (4/465).
ثانيًا:-
إذا تضمّن العقد شرط “فسخ البيع” عند عدم سداد ما بقي من الثمن، فهو شرط صحيح، وللبائع أنْ يفسخ العقد بموجبه، ويسترد بيته، ويعيد المال الذي أخذه كاملا.
ومستند جواز هذا الشرط:-
أنّ الأصل في الشروط الجواز والصحة، لكن ينبغي ألّا تُحِلّ حرامًا ولا تُحرّم حلالًا، فينطبق عليها الحديث الشريف:-
(الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
وإذا لم يتضمّن العقد هذا الشرط، وثبتت مماطلة المشتري، فمن أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم مَنْ يرى جواز الفسخ لدفع الضرر عن البائع.
(وَيَرَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا كَانَ مُوسِرًا مُمَاطِلاً فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُخَاصَمَةِ، قَال فِي الإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ) الموسوعة الفقهية (32/136).
وبعض المماطلين أسوأ حالًا من الفقراء، فإنّ الفقير ربّما يرزقه الله جلّ وعلا المال فيَفِي، بينما المماطل يصعب عليه ذلك.
فالصواب أنّ للبائع الفسخ حفاظًا على ماله، كما أنّ فيه ردعًا للمماطل؛ لأنّه إذا علم بذلك تأدّب وترك المماطلة مستقبلا، واتعظ به غيره.
ثالثًا:-
عند عدم تسليم الثمن لعجز أو مماطلة فحينئذ يجب على المشتري أنْ يفي بسداد بقية الثمن، وإلّا فللبائع فسخ البيع وردّ ما قبضه منه، لا سيما أنّ البيت لم تتحول ملكيته إلى المشتري لبقاء ثلث المبلغ في ذمّته، والثلثُ كثيرٌ كما أخبر البشير النذير صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أهل الفكر والتدبير.
رابعًا:-
ينبغي للمسلم أنْ يكون فطنًا في معاملاته، يتخذ الخطوات اللازمة لحماية وضعه القانوني والمالي، فهنا مثلًا بقاء ثلث المبلغ في ذمّة البائع كثير جدًّا.
خامسًا:-
لا يحقّ للمشتري التصرّف فيما اشتراه إلا بعد اكتمال تطبيق بنود البيع أو الإذن من البائع وإلا فإنّ للبائع الحقّ في مقاضاته لأنّ التصرّف يُحدث ضررًا غالبًا.
خلاصة الأمر:-
يحق لوالدك الكريم فسخ عقد البيع، وله أنْ يرفع أمره للقضاء، أو يحاول مصالحة المشتري بطريقة أو أخرى.
بل يحقّ له أيضًا أنْ يطالب المشتري بتعويضٍ يقدّره أهل الخبرة، أو الجهات المختصّة إذا كان التصرّف مضرًّا بالعقار.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّ اللهمّ على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.