2021-03-17
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يا سيدي وقرّة عيني وأبي الحبيب القريب جزاكم الله تعالى عنّا وعن المسلمين خير الجزاء على جهودكم المباركة المنورة الممدودة بالعنايات والرعايات والنظرات من ربّ الأرض والسموات جلّ جلاله وعمّ نواله، سيّدي سؤال خادمتكم كيف يخاف الحبيب من محبوبه؟؟

من: هناء محمد الصادق

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
إنَّ عبادة الله جلّ جلاله وعمّ نواله تقوم على أساس صدق النيّة ومطابقة هدي خير البريّة صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الحلم والرويّة، والدافع لذلك المحبّة لله عزّ وجلّ والخوف منه جلّ شأنه، وهي أحوال ترد على قلوب المؤمنين ولكلّ درجته فيها، قال تعالى:-
{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 163].
فمنهم مَنْ تغلب عليه المحبّة والشوق، ومنهم مَنْ تغلب عليه الرهبة والوجل، قال جلّ وعلا:-
{— إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 90].
وقال:-
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [سورة السجدة: 16].
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَمَا وَاللهِ، إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَخْشَاكُمْ لَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
فبهدايات هذه النصوص الشريفة وغيرها يتوجّه العبد لربّه خائفًا وراجيًا ومنفذًّا.
فسبب الوجل والخوف أوّلا تطبيقًا لأمر الله تعالى:-
{— وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 175].
وأمثاله
ثمّ شعوره بتقصيره وتفريطه وعدم قدرته على حقّ التقوى.
أمّا رجاؤه فتفاعلٌ مع معطيات وفضل خالقه المنعم الكريم العفوّ الرحيم.
فإذا ظنّ بقرب أجله لأيّ سبب من الأسباب (مرض، شيخوخة، رؤيا مبشّرة، أو مُذَكِّرَة) وجب عليه تغليب حسنّ الظنّ بالله تقدّست أسماؤه.
قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ ذكره.
وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى:-
(الْقَلْبُ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَنْزِلَةِ الطَّائِرِ، فَالْمَحَبَّةُ رَأْسُهُ، وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ جَنَاحَاهُ، فَمَتَى سَلِمَ الرَّأْسُ وَالْجَنَاحَانِ فَالطَّائِرُ جَيِّدُ الطَّيَرَانِ، وَمَتَى قُطِعَ الرَّأْسُ مَاتَ الطَّائِرُ، وَمَتَى فُقِدَ الْجَنَاحَانِ فَهُوَ عُرْضَةٌ لِكُلِّ صَائِدٍ وَكَاسِرٍ، وَلَكِنَّ السَّلَفَ اسْتَحَبُّوا أَنْ يَقْوَى فِي الصِّحَّةِ جَنَاحُ الْخَوْفِ عَلَى جَنَاحِ الرَّجَاءِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا يَقْوَى جَنَاحُ الرَّجَاءِ عَلَى جَنَاحِ الْخَوْفِ) مدارج السالكين (1/513).
وأمّا المحبُّ فيخاف ربّه عزّ شأنه ويخشاه خشية الهيبة والوقار وليس خشية أنْ يُظلم، قال عزّ من قائل:-
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 40].
وخوف بعضنا من بعض إنّما يكون خشية وقوع الظلم منهم، لا خوف الإجلال والتعظيم، فهذا لا يكون إلّا لله سبحانه، الموصوف بالعظمة والجبروت.
وهذا لا يُنافي المحبّة، إذ لا مانع من الجمع بينها وبين الخوف لأنّه لكلٍّ سببه ومقتضاه، وهذا يتضح من قول الله جلّ وعلا في حقّ ملائكته الكرام الذين يحبّون الله تعالى ويجتهدون في طاعته لإرضائه:-
{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ —} [سورة الرعد: 13].
ويظهر هذا المعنى جليًّا في قوله عزّ شأنه:-
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [سورة الذاريات:50].
فالفرار نتاج الخوف، ولكن إلى أين كان هذا الفرار؟ إلى الله جلّ ذكره لأنّه هو المحبوب سبحانه.
فالمحبُّ لله عزّ وجلّ يظهر الخشوع والتذلل له والخوف من فقدان رضاه أو إغضابه جلّ في علاه، ولا يخاف منه جلّ جلاله باعتبار تعذيبه للعاصين في النار، بقدر ما يخاف من غضبه وخسارة رضاه ومحبته جلّ وعلا.
إذن:- لا إشكال في جمع المؤمن بين محبة الله تعالى والخوف منه سبحانه، في آن واحد، بل هو الواجب كما تقدّم، وشاهد هذا في الخلق كثير، فالبنت تحبُّ أباها وأمّها، ولا يمنع ذلك كونها تخاف منهما، ومن عقوبتهما إذا أساءت، وكذا التلميذ الذي يحب معلّمه الذي يحسن إليه، والمرؤوس يحبّ رئيسه الذي يحسن معاملته، فهو مع حبّه لمعلّمه أو لرئيسه فإنّه يخشى عقوبته إنْ أساء، فيحمله ذلك الخوف على تجويد العمل وإتقانه، ولله جلّ شأنه المثل الأعلى.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد السرّ الساري والنور الذاتي في سائر الأسماء والصفات، وعلى آله وصحبه أهل المكرمات وسلّم تسليما كثيرا كثيرا، ما دمت الأرض والسموات.