2021-03-29
السؤال:
السلام عليكم يا شيخنا أحسن الله إليكم، السؤال:-
عندنا في كزاخستان الدولة تمكس شهريا مبلغا معينا من راتب كل عامل (١٠% من ١٠٠%) لمعاش التقاعد في المستقبل والعامل يجمع بهذه الطريقة مبلغا لشيخوخته يأخذه بعد التقاعد عادة.
والدولة بعد مكس المال تستثمره في التجارة المختلفة وتقريبا ١٠% بالمائة تشغل في البنوك الربوية حتى جمع على سبيل المثال مليون ريال وبعد استثماره أصبح مليون ونصف.
والآن جاءت القرار الجديد بأنّ العامل يجوز له أنْ يأخذ ماله هذا من حسابه مباشرة ولا ينتظر التقاعد.
وهنا الأسئلة:
١) هل تجب الزكاة من هذا المال لكل هذه السنوات التي كان المال في الحساب بداية من وصوله إلى النصاب (بعضهم يقولون لا تجب ويقيسون ذلك على المال المفقود)؟
٢) ماذا يفعل بالربح الذي يساوي نصف مليون ريال؟
– هل يتخلص منها باعتبار أن المال كانت فيها شيء من الربا وباعتبار أن المال أخذ واستثمر بلا إذنه؟
– أو يحل له أن يأخذه كله؟
أشكركم سلفا جزاكم الله خيرا
من: عبد الرحمن المدني
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
من شروط وجوب الزكاة الملكُ التامُّ وهو عبارةٌ عمَّا كان بيَدِه ولم يتعلَّقْ به غيرُه، والراتب التقاعدي او مكافئة نهاية الخدمة ملكها ناقص، لأنّ صاحبها لا يستطيع التصرّف بها إلا وفق قانون الدولة وشروطها، كإحالته على التقاعد، أو وفاته، أو تقديم طلب كما هو عندكم، وغيرها من الشروط.
قال الشيخ أبو بكر الحدادي اليمني رحمه الله جلّ وعلا:-
(الْمِلْكُ التَّامُّ هُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْمِلْكُ وَالْيَدُ، وَأَمَّا إذَا وَجَدَ الْمِلْكَ دُونَ الْيَدِ كَمِلْكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ وَجَدَ الْيَدَ دُونَ الْمِلْكِ كَمِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَدْيُونِ، لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) الجوهرة النيرة شرح متن القدوري (1/444).
واشترط الفقهاء رحمهم الله تعالى المِلْكَ التامَّ لمال الزَّكاة عمومًا، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلم.
ومن أدلتهم قوله عزّ شأنه:-
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ —} [سورة التوبة: 103].
وجه الدَّلالة قوله تعالى (أموالهم) فأضافها إلى أصحابِها، ولا يكون ذلك إلَّا إذا كانت مملوكةً لهم مِلكيَّةً تامَّةً فلا تجب الزكاة على العامل أو الموظف في هذه الاستحقاقات طيلة مدة الخدمة لعدم تحقق الملك التام الذي يُشترط لوجوب الزكاة.
فإذا صدر القرار بتحديدها وتسليمها دفعةً واحدة أو على فترات دورية أصبح ملكه لها تامًّا ويزكّي ما قبضه منها.
وبما أنّ الموظف عندكم يمكنه وفق القانون سحب ماله التقاعدي أثناء الخدمة، فإن استلمه زكّاهُ لمرّةٍ واحدةٍ عن كلّ السنوات الماضية.
أمّا إذا علم علمًا قاطعًا أنّ الدولة تسلّمه فوق ما يستحقه من المال ممّا جاء عن طريق الفوائد الربوية، فهذه الزيادة يُتخلّص منها (ولا تسدّ مسدّ الزكاة لأنّها مالٌ حرام) بأنْ يَهبها لشخص أو جهة عامّة، جاء في الموسوعة الفقهية:-
(وَالْمَال الْحَرَامُ كُلُّهُ خَبَثٌ لاَ يَطْهُرُ، وَالْوَاجِبُ فِي الْمَال الْحَرَامِ رَدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ إِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُمْ وَإِلاَّ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ كُلِّهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى سَبِيل التَّخَلُّصِ مِنْهُ لَا عَلَى سَبِيل التَّصَدُّقِ بِهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ) الموسوعة الفقهية (23/249).
كما أنّ الآية الكريمة أعلاه تدلُّ على أنَّ الزَّكاةَ تطهِّرُ المزكِّي والمالَ المزكَّى، والمالُ الحرامُ غيرُ قابلٍ للتطهيرِ؛ لأنَّه خَبَثٌ فلا يَطْهُرُ.
وكذا حديث سيّدنا رسولِ اللهِ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [سورة المؤمنون: 51]، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.