25-11-2021

نص السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا لا أحصيه ولا أحصي ثناء عليه تقدّست ذاته وأسماؤه وصفاته، وتعاظمت آلاؤه ونعماؤه فعُجِزَ عن شكره تبارك اسمه. صلّى تعالى وسلّم وبارك وأنعم على حضرة سيّد الكونين والثقلين نبيّنا محمد وعلى آله الكرام وصحابته العظام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الزحام.

أمّا بعد.

السلام عليكم ورحمة الله جلّ في علاه وبركاته سيّدي، ورضي الله تبارك اسمه عن حضرتكم وجزاكم خير ما جزى مرشدًا عن مسترشد وناصحًا عن منصوح ومشفقًا عن جهول، ونفع جلّ وعلا بجنابكم السامي وعلمكم المتسامي، وبهذا الموقع الطيّب المبارك قبس النور النبراس المتراس، وجزى الكريم الوهّاب سبحانه خيرًا كلَّ الباذلين فيه جهودهم وأوقاتهم وتقبّل منكم ومنهم بقبول حسن وأجزل لكلٍّ الأجر والثواب، إنّه هو السميع القريب المجيب.

العفو منكم سيّدي ونور عيني وسند قلبي، راودني سؤال أهمّني ولم أجد خيرًا من أنْ أرجع به إليكم لأتبيّن سبيل الرشد من سبيل الغيّ، وهو:

هل أقع في محظور شرعي إذا لم أراجع ما حفظته قبل الآن من القرآن الكريم؟

 

الاسم: Abdulla Almahmood

 

 

الرد باختصار:-

إذا تعمّدتَّ عدم المراجعة وأدّى ذلك إلى نسيان ما حفظته فنعم يكون محظورًا شرعًا، أمّا إذا عجز عنها بسبب ظرف ما فلا حرج عليه بإذن الله جلّ في علاه.

 

التفصيل:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهلكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.

إنَّ مراجعة القرآن الكريم من الأمور الحتمية للمسلم لأنّه مأمور بالصلاة، وهي لا تصحّ بدونه، ولا يكون هذا إلّا بالحفظ ولو بما تيسّر منه، ولا يثبت الحفظ إلّا بها لهذا قال حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقال:-

(بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ وَاسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وممّا لا شكّ فيه أنّ النّاس اليوم يعيشون ظروفًا حرجة يصعب عليهم فيها حفظ القرآن الكريم، وليسوا مطالبين بذلك لقول الله جلّ في علاه:-

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا —} [سورة البقرة: 286].

كما أنّ الكثير من صحابة سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين ورضي الله تعالى عنهم وعنكم، لم يكونوا حفظة، بل يطبقون ما فيه من هدايات وأحكام ويجاهدون أنفسهم للارتقاء في مراتب التقوى، ويبذلون وسعهم في مجال الدعوة إلى الله عزّ وجلّ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، قال سبحانه:-

{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: 1].

لذا أنصح حفظ بعض السور والمقاطع التي يراها المرء أقرب إلى قلبه لتسهل عليه مهمة الحفظ والمراجعة، ويكون أبعد عن النسيان، وقد بيّن العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم آثاره، وما يجب على الحافظ فقالوا:-

إنّ نسيان القرآن الكريم يرجع إلى أمرين:-

إمَّا بقصد: وهذا لسببين:-

1- نسيان بعد حفظ بحيث لا يمكنه معاودة حفظه الأوّل إلّا بعد مزيد كلفة لذهابه عن حافظته بالكلية؛ بسبب تركه وتكاسله وتقصيره وعدم تعاهده له.

فهذا النوع من النسيان حرام وشخصه آثم، روي عن حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أنّه قال:-

(— وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ ذكره.

وقال الإمام أبو العالية رحمه الله تعالى، وهو من كبار التابعين:-

(كُنَّا نَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوْبِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ القُرْآنَ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْسَاهُ).

وعن الإمام ابن سيرين رحمه الله جلّ جلاله أنّه قال في الذي ينسى القرآن:-

(كَانُوْا يَكْرَهُوْنَهُ وَيَقُوْلُوْنَ فِيْهِ قَوْلًا شَدِيْدًا).

وقال الإمامان أبو المكرم والروياني وهما من علماء السادة الشافعية رحمهم الله عزّ وجلّ:-

(إِنَّ نِسْيَانَهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الاهْتِمَامِ بِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَمْرِهِ) فتح الباري (2/86).

2- نسيان بمعنى ترك حروفه ومعناه من حلال وحرام وحدوده والإيمان به -نسأل الله تعالى السلامة- فهؤلاء قال الله جلّ جلاله فيهم:-

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [سورة طه: 124 – 126].

وإمَّا بغير قصد ويرجع أيضًا إلى أمرين:-

1- بسبب كبر السنّ أو المرض المشغل ألمه للقلب واللسان والمضعف للحافظة عن أنْ يثبت فيها ما كان فلا يبعد أنْ يكون عذرًا؛ لأنّه غير مقصود وليس باختيار. المجموعة الفقهية الكبرى (1/36).

2- بسبب السهو ويعني به الذي يمكن معه التذكّر بمجرّد المراجعة، أو بمعنى أنّه قريب الاستحضار. المجموعة الفقهية الكبرى (1/36).

فالنسيان غير المقصود لا يأثم صاحبه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.