2021-12-15
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، سيّدي المبارك، هل هناك ضوابط وهدايات في مسألة توزيع الصدقات وأموال الزكاة؛ فمثلا أرملة وأطفالها يسكنون بالإيجار، فهل الأفضل أنْ يتمّ شراء قطعة أرض لها بمساحة ١٠٠ متر ثمّ تستمر المساعدات لها لبناء الأرض طابقين، ثمّ يتمّ إكساء البيت والمرفقات بالسيراميك، أم يُكتفى ببناء بسيط ويمكن استثمار بقيّة المال لمساعدة آخرين قد تنقذهم من الموت بسبب المرض أو غيره، وجزاكم الله تعالى كلّ خير، وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
الاسم: أبو عبد الله
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
هناك ضوابط لتوزيع الصدقات كي تكون مثمرة؛ منها مراعاة الأولويات، فيُقدّم الأهمّ على المهمّ، والضروريّ على الحاجيّ، ويندب إيثار المضطر على غيره وتقديم الأحوج على سواه.
قال الله جلّ جلاله:-
{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [سورة البقرة: 272].
فرض الله عزّ شأنه الزكاة، وندب إلى بذل الصدقات في المال، لمقاصد دينية ودنيوية عظيمة، ولكن الإنفاق يحتاج من المسلمين إلى وعي وترشيد، وإلى فقه لأولويات الاحتياج، ولدراسة الأهمّ والأصلح؛ فقضيّة التوزيع من المسائل المهمّة في قواعد الاقتصاد الإسلامي؛ فالزكاة لا تُعطي ثمرتها في المجتمع بدون توزيع صحيح يُراعى فيه الأولويات وتطبّق فيه التسلسل الطبيعي لتقديم الضرورات على الحاجيات فالتحسينيات.
ومن فقه المُتصدّق أنْ يبحث عن أفضل مصارف الصدقة، ويدفعها إلى مَنْ تزكو به ويعظم أجره بدفعها إليه.
ولأهميّة المسألة حدّد الله سبحانه مصارف الزكاة، فقال:-
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة التوبة: 60].
الأصناف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة هي مصارف الزكاة، وهم شركاء لا تفاضل بينهم إلّا بالحاجة؛ فقد نرى مصرفًا أحوج من مصرف ففي مثل هذه الحالة نُعطيه بقدر حاجته؛ فمثلًا نجد إنسانًا فقيرًا في حاجة إلى طعام، ومسكينًا قد أضطر إلى إجراء عملية جراحية، فهل نعطي مَنْ يحتاج إلى الطعام فقط مثلما نعطي لمَنْ يحتاج إلى إجراء عملية جراحية تتطلّب أجرة الطبيب وثمن الدواء والمستشفى، وفي هذه الحالة إحياء نفس عصمها الله تعالى المتفضّل بقوله الكريم:-
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا —} [سورة المائدة: 32].
فعلى المسلم أنْ يكون حريصًا على أنْ يضع المال في محلّه الصحيح سواء كانت زكاة أو صدقات، من خلال البحث عن المحتاجين، وسؤال السادة العلماء وأهل الفضل الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ولا يستعجل كأنّما يريد التخلّص من التكليف فحسب؛ فمراعاة الأولويات منهج أساس في شريعة الإسلام الغرّاء؛ قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
إنّنا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في مفهوم الصدقات وطرق صرفها، فيجب على المُتصدّق أنْ يُبصر بعين قلبه أوّلًا ثمّ عقله كم ولمَنْ تكون الصدقة، وما الجدوى الحقيقة من ذلك، مُسترشدًا في ذلك بهدايات السادة العلماء الربانيين رضي الله تعالى عنهم وعنكم فهم ورثة خاتم النبيين عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم.
وفيما يتعلّق بالمثال الوارد في السؤال ينبغي للشخص المتكفّل بهذه الصدقات تحمل الأمانة بأمانة وعلم، وأنْ يجتهد لدفع ضرورة وحاجة تلك المرأة على النحو المعقول، واستخدام الفائض في مساعدات إنسانية أخرى يُقدّم فيها الأهم ثمّ المهمّ.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.