2022-01-18
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله سيدي حضرة الشيخ سعد الله رضي الله تعالى عنك ونفعنا بدعواتكم ورزقنا حُسن الوفاء مع جنابكم.
السؤال:
هل يجوز للمصلي أنْ يترك الجامع الذي في حيّه أو قريته ويذهب ليصلّي في جامعٍ آخر لصلاة فريضةٍ من الفرائض الخمس أو الجمعة.
الاسم: محمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.
المؤمن يبحث عن ضالته، ومنها: الخشوع في الصلاة، فيصلي في المسجد الذي يخشع فيه، وتكثر إليه خطاه، وهذا هو المعروف من نصوص الشرع الشريف.
تعدّدت أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في أيّهما أفضل: الصلاة في مسجد الحيّ أم الصلاة في غيره؟ على أقوال:-
الأوّل: وهو مذهب السادة الأحناف رضي الله تعالى عنهم وعنكم:
صلاة المرء في مسجد حيّه أفضل، حتى ولو كان غيره أكثر عددًا.
قال الإمام ابن عابدين رحمه الله عزّ وجّل:-
(وَمَسْجِدُ حَيِّهِ وَإِنْ قَلَّ جَمْعُهُ أَفْضَل مِنَ الجَامِع؛ وَإِنْ كَثُرَ جَمْعُهُ) حاشية ردّ المختار على الدر المختار (1/659).
وهو أيضًا رواية عند السادة الحنابلة، ووجه عند السادة الشافعية رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ينظر المغني (2/4)، والمجموع (4/170).
الثاني: الصلاة في المسجد الذي تكثر فيه الجماعة أفضل، وأبعدهما أولى من أقربهما؛ إلّا إذا كان المسجد الذي بجواره تختل فيه الجماعة؛ ففعلها في مسجد الجوار أفضل لما جاء في الأحاديث الشريفة منها:-
1- قول حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاَةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
2- وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(— وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ في علاه.
وهو مذهب السادة الشافعية والمالكية والحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم. ينظر المجموع (4/170)، والثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لصالح عبد السميع الآبي الأزهري (1/153)، والروض المربع للإمام البهوتي (1/236)، رضي الله جلّ وعلا عنهم أجمعين.
قال الإمام النووي رحمه الله عزّ شأنه:-
(فَلَوْ كَانَ بِجِوَارِهِ مَسْجِدٌ قَلِيلُ الْجَمْعِ وَبِالْبُعْدِ مِنْهُ مَسْجِدٌ أَكْثَرُ جَمْعًا فَالْمَسْجِدُ البعيد أَوْلَى إِلّا فِي حَالَتَيْنِ:-
أحدهما: أنْ تتعطل جماعة القريب لعدوله عَنْهُ لِكَوْنِهِ إمَامًا أَوْ يَحْضُرَ النَّاسُ بِحُضُورِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَرِيبُ أَفْضَلَ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ إمَامُ الْبَعِيدِ مُبْتَدِعًا كَالْمُعْتَزِلِيِّ وَغَيْرِهِ أَوْ فَاسِقًا أَوْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَرْكَانِ فَالْقَرِيبُ أَفْضَلُ) المجموع شرح المهذب (4/198).
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله سبحانه:-
(وَإِنْ كَانَ فِي جِوَارِهِ أَوْ غَيْرِ جِوَارِهِ مَسْجِدٌ لَا تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ إلَّا بِحُضُورِهِ فَفِعْلُهَا فِيهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَعْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، وَيُحَصِّلُهَا لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ. وَإِنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ، وَكَانَ فِي قَصْدِهِ غَيْرَهُ كَسْرُ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ، فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى) المغني (2/132).
والذي أرجحه:-
القول الثاني، لأنّ به ينال مبتغاه من كثرة الخشوع والتشرّف بالاقتداء بمَنْ هو أكثر ورعًا وتقوى، قال جلّ جلاله:-
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [سورة المؤمنون: 1، 2].
والمسجد الذي يشهد كثرة عدد للمصلين وإنْ بَعُدَ، فيه تقوية لشوكة المسلمين، وفرصة لنيل أجر السعي للبعيد.
قال حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ ذكره.
كذلك فيه تقوية للجسد فإنّ من أفضل الرياضات للجسم المشي إذ يزيد من نشاطه ويقلل أمراضه، وقد ورد المشي والسعي والمسارعة في القرآن العظيم، قال جلّت قدرته:-
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 133].
وقال
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [سورة الفرقان: 63].
وقال:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ —} [سورة الجمعة: 9].
وإنْ كان ذهابه بواسطة كالسيارة مثلا فهو خيرٌ أيضًا لما فيه مِنْ تحريكٍ لعجلة الاقتصاد في المجتمع كصرف الوقود واستهلاك الإطارات وغيرها ممّا يحقق رزقا للآخرين.
ولا يخفى أنّ الحضور في مثل هذه المساجد وسيلة للتعارف بين النّاس تحت مظلة المسجد، وهو من مقاصد الشرع الشريف، قال عزّ من قائل:-
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات: 13].
فانظر يا رعاك الله تعالى كم من المنافع الروحية والدنيوية والأخروية ممّا ذكر وما لم يُذكر في فضل الصلاة في المسجد الأبعد.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.