2022-01-22

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله جلّ وعلا كلّ خير على ما تقدموه من معلومات قيّمة في موقعكم المبارك، أسأل الله تعالى أنْ يزيدكم من فضله.

لقد اطلعت على الفقرات الموجودة في أهداف الموقع فأعجبتني وأثارت عندي بعض الأسئلة التي سأرسلها تباعا.

ما حكم الدعوة إلى الله تعالى؟

وجزيتم خيرا.

 

الاسم: مروان

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:-

الدعوة إلى الله سبحانه واجبة عموما على الأمّة وجوبا كفائيا أو عينيا، كلٌّ حسب ظرفه وموقعه.

التفصيل:-

إنّ حكم الدعوة ابتداء هو الوجوب الكفائي، لقول الله جلّ في علاه:-

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [سورة التوبة: 122].

وقوله:-

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 104].

فقوله {وَلْتَكُنْ} فعل مضارع مقترن بلام الطلب، وهذه صيغة من صيغ الأمر، والأصل في الأمر أنّه يدلّ على الوجوب.

وقوله {مِنْكُمْ} مركّب من حرف الجرّ (مِنْ) الدال على التبعيض، وكاف الخطاب وميم الجمع الدالين على خطاب جماعة المؤمنين، ومنهما علمنا أنَّ الوجوب مقتصر على بعض المخاطبين من أمّة خاتم النبيين عليه أزكى وأعظم صلاة المصلّين وعلى آله وصحبه أجمعين، وهذا يسمّى في اصطلاح أهل العلم: الفرض الكفائي، وسمّي كفائيًّا؛ لأنّ البعض يكتفي بفعل البعض الأخر.

وقوله جلَّت قدرته {أمّة} تأكيد للتبعيض المفهوم من حرف الجرّ (مِنْ)، وحثّ على الجماعة، والتعاون في مجال الدعوة إلى الله سبحانه.

فالفرض الكفائي متطلّب فطريّ شرعيّ ينبغي أنْ يكون حاضرًا في حياة الأمّة، فإذا وُجِدَ هذا المتطلّب بفعل مجموعة سقط الإثم عن الباقين.

لكن إذا لم تكن هذه المجموعة كافية لتحقيق هذا المتطلّب فينتقل الحكم حينئذ ليكون فرضًا عينيًّا، أي يجب على شخص بعينه القيام به، كما في قصّة مؤمن آل فرعون الذي ذكره القرآن الكريم فقال تعالى حكاية عنه:-

{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [سورة غافر: 28].

وكقوله في قصة حبيب النجار رحمه العزيز الغفار جلّ وعلا:-

{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [سورة يس: 20، 21].

وهذا الحكم إنّما هو من حيث الوجوب من عدمه.

أمّا الذي يبتغي الأجر والثواب والمنازل العالية عند الكريم الوهاب جلّ جلاله وعمّ نواله فينبغي عليه أنْ يكون من المساهمين في نشر هذا الدِّين، ويتشرّف بالدعوة إلى الله ربّ العالمين عزّ شأنه، ولا يجعل الأمر مقتصرا على فئة محدودة من المسلمين، بل يأخذ نصيبه منه كلٌّ حسب مكانته ووجاهته وموقعه وعلمه وفقهه، ويتأكّد هذا عندما نتأمّل في الواقع الموجود اليوم، إذ كثر الإلحاد، وزادت المعاصي، وظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس، وانتشر الظلم بقضّه وقضيضه، وابتعد الكثيرون عن الدين الحقّ، قال سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه:-

(بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

وقال:-

(مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) الإمام مسلم رحمه الكريم المنعم سبحانه.

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفّق جميع المسلمين ذكورا وإناثا ليشعروا بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم ليكونوا ممّنْ قال فيهم:-

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة فصلت: 33].

والله الغني الحميد أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم، على خير مَنْ دعا وعلّم، وبلّغ الرسالة وأحكم، وعلى آله وصحبه ما أشرق اليوم وأظلم، وعلى التابعين له، الداعين لمنهجه الشريف الأكرم، بكرمه سبحانه وفضله فهو خير مَنْ أكرم وأنعم.