9/2/2022
نص السؤال:
السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته نأسف لإزعاجكم ونسأل الله تعالى أن يجازيكم عنّا بألف خير السؤال هو:-
أختي مريضة -عافاكم الله سبحانه وتعالى- قالت لها امرأة: اشربي لبن الأتان -أنثى الحمار أجلّكم الله سبحانه- فإنّه من المجرّبات للشفاء… هل هذا جائز؟
ونسأله سبحانه وتعالى أنْ يكتب لنا ولكم ولجميع المسلمين الشفاء والعافية بجاه الحبيب عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم السلام.
الاسم: أم أرشد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفّقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك وعن أختك وعن المسلمين كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
إنَّ شرب حليب الأتان حرام عند جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ولا يتداوى بالمحرّم إلّا عند الضرورة القصوى، وبقدر الحاجة، ولم نجد غيره دواء، ولا يلجئ إلى مثل هذا في التداوي حال الضرورة إلّا إذا ثبت قطعًا نفعه لهذا المرض، إمّا بتجربة صحيحة مستفيضة، أو بتقرير طبيّ صحيح مبنيّ على اختبار وتحليل دقيق، ولا يكفي فيه قول آحاد الناس.
إنَّ ما ذكرتم من حليب أنثى الحمار -أجلّكم الله عزّ وجلّ- قد اتفق جمهور العلماء رضي الله تعالى عنكم وعنهم على نجاسته وحرمة شربه قياسا على لحم الحمار، لأنّ الحليب متولّد من اللحم، واللحم حرام ونجس.
فعَنْ سيّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ:-
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ جَاءٍ، فَقَالَ: أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ، فَقَالَ: أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ، فَقَالَ: أُفْنِيَتْ الحُمُرُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ) متفق عليه.
قال الإمام الجصاص رحمه الله ذو الفضل والاختصاص:-
(اتِّفَاقُ الجَمِيْعِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ لَبَنِ الأَتَانِ، وَبَيْنَ لَحْمِهَا فِي الحَظْرِ وَالإِبَاحَةِ، فَلَمَّا ثَبَتَ تَحْرِيْمُ لَحْمِهَا: كَانَ كَذَلِكَ حُكْم لَبَنِهَا) شرح مختصر الطحاوي (8/535).
وأمّا التداوي به فقد منعه بعض أهل العلم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم لأنَّ المحرّم لا يكون سببًا للشفاء.
لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:-
(إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه معلقا.
قال الإمام ابن نجيم الحنفيّ رحمه ذو اللطف الخفيّ عزّ وجلّ:-
(وَلَا يُشْرَبُ، أَي بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَصْلًا كَلَبَنِ الأَتَانِ أَيْ فِي حَالٍ مَنَ الأَحْوَالِ وَلَا تَدَاوِيًا، وَهَذَا قَوْلُ الإِمَامِ لِأَنَّ التَّدَاوِي بِالطَّاهِرِ الحَرَامِ لَا يَجُوْزُ، فَمَا بِالُكَ بِالنَّجِسِ؟) شرح كنز الدقائق (1/85).
وأجازه البعض الآخر عند الضرورة قال الإمام أبو المعالي المرغيناني:-
(الاسْتِشْفَاءُ بِالحَرَامِ يَجُوْزُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ فَيْهِ شِفَاءً وَلَمْ يُعْلَمْ دَوَاءٌ آخَر) شرح كنز الدقائق (1/86).
والذي يطمئنّ له القلب:-
حرمة التداوي به إلّا عند الضرورة القصوى، فيجوز على قدر الحاجة إذا علم قطعًا أنَّ فيه شفاء، باستعمال ما أكرمنا الله عزّت قدرته به، من التحاليل الدقيقة، والأجهزة الطبيّة الحديثة، التي تكشف عناصر أيّ محلول، وآثارها الإيجابية والسلبية على كلّ مريض غالبًا، ولا نكتفي في مثل هذا بكلام آحاد النّاس وتجاربهم.
والله جلَّت ذاته وصفاته أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد السادات، وأعظم الداعين لسبل النجاة، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه منبع النور والهدايات، والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الدهور والأوقات.