15/2/2022

نص السؤال:

السلام عليكم سيّدي ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله العظيم لحضرتكم دوام الصحة والعافية والعمر الطويل.

سؤالي سيّدي الحبيب هو: قبل أيّام تمّ زراعة قلب حيوان الخنزير-حاشاكم- لإنسان، وقبله زراعة كلية أيضا من نفس نوعه. ولا يخفى على شريف علمكم أنّه نجس العين، فهل هذا جائز؟ وفي أيّ الحالات؟ وهل ينسحب هذا الحكم سواء بالحلّ أو الحرمة على جميع أنواع الحيوانات -حاشاكم-؟

أرجو المعذرة على الإطالة سيّدي الحبيب.

 

الاسم: خادمك أياد المساري

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:-

عدم جواز زراعة بعض أعضاء الخنزير خاصّة القلب للإنسان ولو للضرورة لكرامة الإنسان عند الله تبارك في علاه ويمكن إيجاد بديل من غيره.

التفصيل:-

التّداوي مشروع من حيث الجملة، لقول الله عزّ وجلّ:-‏

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [سورة الإسراء: 82].

فالله سبحانه يدلّنا على أعظم أسباب الشفاء وهو القرآن الكريم.

ولحديث سيّدنا أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه قال‏:-‏

(قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلَّا دَاءً وَاحِدًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الهَرَمُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.

ونهى سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، عن التداوي بالمحرّمات، فقال:-

(إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ ذكره.

وعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:-

(نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ) الإمام أبو داود رحمه الله سبحانه.

وتعددت آراء الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم فيما تسأل عنه (أعضاء الخنزير) فذهب الجمهور رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى حرمة كلّ أجزاءه فلا يجوز الانتفاع بشيء من أعضائه لعموم النهي الوارد في الآية الكريمة التالية:-

{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة الأنعام: 145].

ولقول حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ) الإمام أبو داود رحمه الودود عزّ شأنه.

وجاء في الموسوعة الفقهية:-

(اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ وَالنَّجَسِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).

وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ أَنْزَل الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَل لِكُل دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ)) الموسوعة الفقهية الكويتية (11/118).

وذكر الحافظ ابن عساكر رحمه الله عزّ وجلّ، عن سيّدنا عمر أنّه كتب إلى سيّدنا خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهما:-

(بَلَغَنِي أَنَّكَ تَدَلَّكْتَ بَخَمْرٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الخَمْرِ وَبَاطِنَهَا، وَحَرَّمَ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ، وَقَدْ حَرَّمَ مَسَّ الخَمْرِ — كَمَا حَرَّمَ شُرْبَهَا، فَلَا تَمَسُّوْهَا أَجْسَادَكُمْ فَإِنَّهَا نَجَسٌ) تاريخ دمشق (16/264).

وكما لا يجوز التداوي بالخمر لا يجوز التداوي بالخنزير.

وجاءت نسوة من أهل حمص إلى سيّدتنا أمّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها:-

(فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: فَلِي بَنَاتٌ أُمَشِّطُهُنَّ بِهَذَا الشَّرَابِ، قَالَتْ: بِأَيِّ الشَّرَابِ؟ فَقَالَتِ: الْخَمْرُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَفَكُنْتِ طَيِّبَةَ النَّفْسِ أَنْ تَمْتَشِطِي بِدَمِ خِنْزِيرٍ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَتْ: فَإِنَّهُ مِثْلُهُ) الإمام الحاكم رحمه الحكم العدل جلّ وعلا.

فالتداوي بالخمر والخنزير كلاهما محرّم.

وقد جاءت الأحكام والأدلة الشرعية بزيادة تخصيص نجاسة الخنزير من بقية سائر الحيوانات خاصّة، منها ما ورد في الكتاب المجيد، ومنها ما ورد في السنّة النبويّة المطهّرة.

وآية أكل المحرّمات -الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله تعالى به- في سورة الأنعام إنما جاءت للمضطر إذا خشي الهلاك والموت لأنّ الحفاظ على النفس واجب وضرورة.

ولا بُدّ من التفريق بين وجوب الأكل ووجوب التداوي للمضطر بالمحرّم فإنّه واجب لأنّه بفواته هلاك محقق وإثم مؤكّد.

أمّا التداوي فليس بواجب عند جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بل هو مباح وإنْ كان بتركه هلاكه.

ففي الحديث الشريف أنّ سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

والراجح هو:-

عدم الجواز لأنّ الإنسان مكرّم وخاصّة عضو القلب كونه نقطة ارتكاز الكيان الإنساني، له مواصفاته وخصائصه، فكيف يمكن أنْ نتصوّر إنسانًا بقلب خنزير نعوذ بالله سبحانه؟ حتّى مع قيام الضرورة لأنّ التداوي كما ذكرتُ ليس بواجب، والشرع الشريف لا ينظر إلى الإنسان على أنّه كيان حيوانيّ من دم ولحم فقط بل من جانب روحاني وهو الأهم، إضافة إلى مخالفته للفطرة السليمة ولنصوص تكريم الإنسان.

قال عزّ شأنه:-

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [سورة الإسراء: 70].

وقال:-

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [سورة التين: 4].

وأحترم آراء السادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في أعضاء أخرى كالكلية ولكنّ القلب لا أجيزه بأي حال من الأحوال.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.