16/2/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزاك الله عنا خير الجزاء ورضى الله سبحانه وتعالى عنكم وأرضاكم السؤال: يا سيّدي أنا أخاف كثيرًا من الفتن ومن علامات الساعة التي ظهر أغلبها وأخاف على زوجي وأولادي منها، يا سيّدي كيف أقي زوجي وأولادي الفتن؟ وكيف أذهِب هذا الخوف؟ وما هي الأسباب المعينة لنا في هذا الوقت مع تقصيرنا في جنب ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله؟
وشكرا جزيلا وخادمتك تدعو لك وترجو منك الدعاء.
الاسم: أم حذيفة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
لا شك أنّ الفتن حاصلة بسبب كثرة الظلم والمعاصي، ولكن الله جلّ في علاه يحفظ مَنْ يحفظ نفسه في هدايات شريعته، ومَنْ يتوكل عليه سبحانه ويتخذ أسباب الحفظ الروحية، ومن أجلّها: صحبة الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، كذا الأسباب الحسيّة كالتحلّي بالحكمة وحفظ اللسان، والابتعاد عن مواطن الشبهة.
وإنّ بعض الخوف على النفس والزوج والأولاد طبيعي لأنّه من دواعي الفطرة الإنسانية السليمة وما تقتضيه من الحبّ، إلّا أنّ زيادة الخوف لدرجة الهلع منبوذة لأنّها من أدلّة قلّة الإيمان ونقصان التوكل.
والوقاية منها تكون بالتضرّع والتوجيه السديد.
بعض البلاء طبيعي في الحياة الدنيا لأنّها دار الابتلاء، ولكن ظهور الفتن وكثرتها مرتبط بابتعاد الناس عن الشريعة الغرّاء، فكثرة الظلم والمعاصي من موجبات نزول الفتن.
قال الله جلّ في علاه:-
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: 25].
وهذا الأمر عام في كلّ أمّة وزمان؛ ففي الرواية المباركة:-
(اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.
ولا يخلو مصنّف للعلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم مِنْ بابٍ يُسمّى الفِتن – نعوذ بالله تعالى منها – فحريٌّ بالمسلم مراجعته ففيه إضاءات جوهرية مِنْ هادي البشرية صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لكيفية النجاة منها.
وضع الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه في صحيحه:-
(بَاب: مِنَ الدِّين الفِرارُ مِنَ الفِتنِ).
فينبغي للمسلم أنْ يفرّ منَ الفتن ما استطاع إليه سبيلا، بالتعوّذ منها تأسّيًا بحضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام إذْ كَان يَتعَوّذُ دُبُرِ صلاته مِنْ الفِتنِ ما ظَهر منها وما بطن.
ولأهمية الموضوع نتشرّف بذكر بعض الأحاديث الواردة في الفتن:-
1- (سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
[الاستشراف: الرغبة والتطلّع]
2- (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
3- (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
4- (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ شأنه.
5- (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
[الأثرة: الأنانية وحُبّ النفس].
وجاء في سُنن الترمذي رحمه الله تعالى الغنيّ قوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)
(مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)
[الشرف: حُبّ الشهرة والجاه]
ومن هدايات الأحاديث الشريفة نستخلص مقومات الحفظ من الفتن:-
1- الالتزام بشرع الله تبارك في علاه.
2- المبادرة بالطاعات، ومن أجلّها مصاحبة الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
3- الابتعاد عن مواطن الشهرة، والزهد عمّا يتنافس عليه الناس من لعاعة الدنيا من المال والمناصب والجاه.
4- الاستعاذة بالله تعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وحبس النفس عن كلّ سوء وشدة.
5- ترك فضول الكلام والسماع والخلطة.
فالالتزام بما ذُكِرَ أعلاه كفيل بإذنه جلّ جلاله أنْ يحفظ المؤمن ويجعله كما وصفه حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بقوله الكريم:-
(— إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ) الإمام ابن ماجة رحمة الله عزّ وجلّ.
ولمزيد إطلاع وفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (729، 832) في هذا الموقع المبارك.
أمّا الخوف على الزوج والأولاد فهو جبلّة وفطرة في الإنسان، ولكن ينبغي أنْ يكون طبيعيًّا في حدود المعقول، خصوصًا بعد الأخذ بأسباب الحفظ، أمّا المبالغة فيه، بحيث يصل إلى الحدّ المذموم فهو علامة على مرض نفسيّ يصل بعض الأحيان حدَّ الوسوسة، وهذا لا يليق بالمؤمن أو المؤمنة لما يحمل من سوء على صاحبه وأحبابه، ويكون دفعه بالتوكل على الله عزّ شأنه، واستحضار معيّته للعبد وحفظه له، والعلم بأنّه سبحانه خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين، والإيمان يقينًا بقول الصادق الأمين عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:-
(احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ) الإمام الترمذي رحمه الله تباركت أسماؤه.
وهذا تمرين روحيّ ينبغي تذكير النفس به ليتحصّل في القلب حُسن التوكّل عليه سبحانه -بعد اتخاذ الأسباب- والإيمان بوعده في حفظ عباده المؤمنين.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله جلّ وعلا على خير إمام ومعلّم سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.