18/2/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي الفاضل حفظكم الله جلّ جلاله وأمدّكم بالصحة والعافية.

سيّدي سؤالي: أغلب الأحيان عندما أجلس في جلسة الورد اليومي تأتيني غفوة من النوم.

 

الاسم: مصعب عبد عبد الله

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:-

الغفوة أثناء الورد اليومي لها أسباب منها:-

الاطمئنان والسكينة فهي من بعض ثمرات الذكر، أو بسبب حال الذاكر فقد يكون مُتعبًا أو لم يأخذ كفايته من النوم فينبغي مراعاة ذلك، وقد يكون بسبب النفس والشيطان إذ يُحاولان قطع المسلم عن ربّه بغفلة النوم فيجب الانتباه والحذر منه.

التفصيل:-

الغفوة أثناء الورد اليومي لها أسباب منها:-

1- الاطمئنان والسكينة: وهما ثمرة من ثمرات الذكر الشريف.

قال عزّ من قائل في محكم كتابه العزيز:-

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].

كما أنّ السكينة حال روحيّ يمنُّ الله جلّ وعلا به على مَنْ يشاء مِنْ عباده، ومنهم الذاكرون.

قال الله جلّ جلاله:-

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة الفتح: 4].

 

فهذه الأسباب نعمة وبركة ينبغي للمؤمن شكرها، ولقد حصل مثل ذلك للصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم في معركة بدر الكبرى.

قال الله عزّ وجلّ:-

{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [سورة الأنفال: 11].

فكان ذلك النوم سببًا من أسباب النصر؛ إذ تحصّل بالنعاس السكينة لقلوبهم، والراحة لأبدانهم، والنشاط لعقولهم.

 

2- وقد يكون سببه المرض والإجهاد وعدم كفاية النوم، فينبغي حينئذٍ الاكتفاء بالحدِّ الأدنى من الورد اليومي، وهو الاستغفار خمسًا وعشرين مرّة، وكذلك الصلاة والسلام على حضرة النبيّ المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأبرار، ثمّ قراءة السور المباركة: الفاتحة، وآية الكرسي مرّة، والإخلاص ثلاثًا، والمعوذتين مرّة مرّة، ثمّ إهداء هذا الذكر إلى نبيّنا الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم، وإلى حضرة شيخك رضي الله تعالى عنه وعنكم وإلى مَنْ تُحب.

أمّا إذا كان النعاس والتعب قاهرين فيمكن أداء الورد في وقت لاحق قريب، يكون السالك فيه بحال طيّب، ولا ينبغي ترك الورد لأنّه واجب في حقه.

وفي هدايات هذا الأمر ما روي عن سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه قال:-

(دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

 

3- قد يكون الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء هما مَنْ يحاولان منع المسلم عن طاعته، ويعملان على قطع ذكره لله جلّ في علاه إذ يوهمانه بأنّه مُتعب نعسان فيستمع لذلك التسويل، ويستجيب لتلك الوسوسة فيرقد تاركًا ذكره لله ربّ العالمين أو يغفل عنه بالغفوة المتقطعة حتّى لا يُدرك ما يقول، ولا يتفاعل مع الذكر؛ فيقلّ انتفاعه.

قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.

وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:-

{الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [سورة الناس: 4].

قَالَ:-

(الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ في علاه.

فالمسلم الفطن ينتبه لذلك، ويُدرك بقلبه المنوّر أنّ هذا الأمر من نزغ الشيطان وتثبيطه له فيلتجأ إلى الله جلّت قدرته ويستعيذ به سبحانه القائل:-

{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة فصلت: 36].

كما ويستنهض همّته ويستعيذ بالله جلّ جلاله من الكسل مقتديًا بخير الأنبياء والرسل عليه وعليهم من الله تعالى الصلاة والسلام إذ كان من سُنّته الشريفة الاستعاذة من الكسل.

عن سيّدنا أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه قال:-

(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) الإمام البخاري رحمه الله جل جلاله.

(ضَلَع الدَّيْنِ): ثِقَلهُ وَشَدَّته.

وعليه ينبغي بعد اتخاذ الأسباب الانتباه للنفس، والتفاعل مع الذكر؛ فإنْ حصل ونام الذاكر فذلك نعمة وفضل من الله تعالى؛ فلعلّ الله تباركت أسماؤه يفتح له في النوم -وهو صفحة من صفحات الغيب- من النور والبركات والعلوم ما لا يمنحه في اليقظة.

والله تبارك اسمه أعلم.

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على سيّدنا وحبيبنا محمّد، خير الذاكرين حال اليقظة، فإذا ما نامت عيناه المباركتين لا ينام قلبه الشريف فهو بوابة رحمة الله الرحيم للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيّبين الطاهرين.