21/2/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله جلّ وعلا الخير كلّه، عاجله وآجله.

سؤالي:-

هل يجوز أنْ يكون المهر شيئا ممّا يحفظ الخاطب من القرآن الكريم أم لا بدّ أن يكون مالا؟ جزيتم خيرا.

 

الاسم: مروان

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:-

المهر (الصَّدَاق)، ركن من أركان صحّة عقد النكاح، ولا بُدّ أنْ يكون مالا، أو شيئا يُقَوَّمُ به، وبما أنّ آيات القرآن الكريم لا تُقَوَّمُ بالمال فلا تكون مهرًا على الراجح.

التفصيل:-

الزواج ميثاق غَلَّظَه الله سبحانه بقوله:-

{— وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [سورة النساء: 21].

وبما أنّه كذلك لا يجوز التهاون بأركانه ومنها: تسمية الصَّداق، وأنْ يكون شيئًا له قيمة مالية، وهذا ما عليه جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

قال الحقّ جلّت حكمته:-

{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً —} [سورة النساء: 4].

قال الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله جلّ وعلا:-

(وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ المُسْلِمِيْنَ أَنَّهُ لَا يَجُوْزُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ بِغَيْرِ صَدَاقٍ مُسَمَّى دَيْنًا، أَوْ نَقْدًا) الاستذكار (16/67).

وقد جاء التصريح بمالية المهر في قوله تبارك اسمه في علاه:-

{— وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ —} [سورة النساء: 24].

قال الإمام القرطبي رحمه المغني تقدّست أسماؤه في تفسير (بِأَمْوَالِكُم):-

(أَبَاحَ اللّهُ تَعَالَى الفُرُوْجَ بِالأَمْوَالِ وَلَمْ يُفَصِّلْ، فَوَجَبَ إِذَا حَصَلَ بِغَيْرِ المَالِ أَلَّا تَقَعَ الإِبَاحَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ الشَّرْطِ المَأْذُوْنِ فِيْهِ) الجامع لأحكام القرآن (6/211).

وقال الإمام ابن العربي رحمه المحصي جلّ جلاله:-

(لَمَّا أَمَرَ اللهُ تَبَارَك وَتَعَالَى بِالنِّكَاحِ بِالأَمْوَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْذُلَ فِيْهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ) أحكام القرآن (1/497).

وقد وردت أحاديث شريفة تبيّن ما يقوم مقام المال عند عجزه عن دفع المهر كأنْ يكون بتعليم زوجته شيئًا من القرآن الكريم كبديل عن المهر، وذلك لمّا جاءت امرأة إلى حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم تهب نفسها له، ولم يرغب فيها، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ:-

(يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحْنِيهَا‏.‏ قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَ: لَا.‏ قَالَ:‏ اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَذَهَبَ وَطَلَبَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ‏.‏ فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ ذكره.

فقوله:-

(فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ).

معناه: أنْ يعلّمها ما معه من القرآن الكريم.

كما جاء ذلك صريحًا في رواية الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا:-

‏(‏انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).

فيكون مهرها هو التعليم؛ والتعليم منفعة يمكن تقويمها ماليًّا في حال عجز الخاطب عن تقديم المهر.‏

وجاء في الموسوعة الفقهية:-

(الأْصْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ كُل مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا أَوْ أُجْرَةً جَازَ جَعْلُهُ صَدَاقًا.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَهْرَ مَا يَكُونُ مَالاً مُتَقَوِّمًا عِنْدَ النَّاسِ، فَإِذَا سَمَّيَا مَا هُوَ مَالٌ يَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَمَا لاَ فَلَا) الموسوعة الفقهية الكويتية (39/155).

والجمهور على جواز كون المهر منافع يمكن أخذ العوَض عنها.

(ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ صَدَاقًا جَرْيًا عَلَى أَصْلِهِمْ مِنْ أَنَّ كُل مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ صَدَاقًا؛ فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَل مَنَافِعَ دَارِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ عَبْدِهِ سَنَةً صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ؛ أَوْ يَجْعَل صَدَاقَهَا خِدْمَتَهُ لَهَا فِي زَرْعٍ أَوْ بِنَاءِ دَارٍ أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ؛ أَوْ فِي سَفَرِ الْحَجِّ مَثَلاً) الموسوعة الفقهية الكويتية (39/156).

والذي أرجّحه هو:-

وجوب أنْ يكون المهر شيئًا ذا قيمة مالية.

وما نسمع من أنّ بعضهم أعطى لها مصحفًا شريفًا، فإنْ كان يقصد به مهرًا ولم يُسمِّ لها أيّ مبلغ ماليّ، أو ماله قيمة مالية، فهذا لا يصحّ كما بيّنت سابقًا.

وإمّا إنْ أراد به إهداءً وسمّى لها مهرًا (مبلغًا أو ما يُقَوَّمُ به) فلا بأس.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.