22/2/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حضرة الشيخ الفاضل أدعو الله سبحانه وتعالى أن يرزقك الصحة والعافية ويطيل عمرك ويبارك فيك والعاملين معك على هذا الموقع.

سؤالي: هل يجوز ضرب الطفل دون سن السابعة لغرض التأديب ليس على الوجه وبدون قسوة؟

مع احترامي وتقديري لحضرتكم

 

الاسم: أم محمد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.

الجواب باختصار:-

لا ينبغي ضرب الصغير سواء قبل أو بعد سنّ السابعة، أمّا في سنّ العاشرة فيضرب على كفّه أو ذراعه إنْ ترك الصلاة ضربًا لطيفًا للتنبيه يوحي بالمحبة لا بالعنف عملا بظاهر الحديث الشريف.

التفصيل:-

وضع سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه أسس التعامل مع الصغير والكبير فقال:-

(لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

ومن معاني الرحمة بالصغير أنْ يُغذيه بالعطف والحنان والشفقة لأنّ الصغير مرفوع عنه القلم فهو لا يدرك الصواب من الخطأ فيكون تأديبه تدريجيا بالكلام اللطيف والمتابعة.

 

وضرب التأديب، إنّما يجوز بالقدر الذي يحصل به المقصود، ثمّ هو ضرب خفيف غير مبرح يراد به التأديب وليس التعذيب، وهذا لمَنْ يعقل الخطاب ويفهمه وهو سنّ السابعة على رأي، وسنّ العاشرة على رأي آخر.

أمّا دون ذلك السنّ فلا يجوز، فقد ذكر الإمام الكاساني رحمه الله سبحانه في معرض حديثه عن تأديب الصبي غير المميّز والمجنون:-

(أّمَّا المَجْنُوْنُ وَالصَّبِيُّ الّذِي لَا يَعْقلُ – فَإِنَّهُمَا لَا يُؤَدَّبَانِ – لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ العُقُوْبَةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ التَّأْدِيْبِ) بدائع الصنائع (7/64).

ولذا اتفق السادة الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ جميع تصرفات الصبيّ غير المميّز باطلة، وعبارتُه ملغاة، ولا أثر للإذن في تصرّفاته؛ لأنّ الأهلية شرط جواز التصرّف، ولا أهلية بدون العقل؛ ولأنّ ما صدر من الصغير غير المميّز هو والعَدم سواء. بدائع الصنائع (7/170 – 171)، وحاشية الإمام ابن عابدين (3، 4، 5/189)، (3/105، 400)، والمقدمات الممهدات للإمام ابن رشد القرطبي (2/346)، ومواهب الجليل للإمام الرعيني الشهير بالحطاب (5/62)، وروضة الطالبين للإمام النووي (3/341 – 342)، والمجموع (3/11)، (9/142)، والمغني للإمام ابن قدامة (6/347)، والإنصاف للإمام المرداوي (4/268)، وكشاف القناع للإمام البهوتي (6/122)، رحمهم الله جلّ في علاه.

قال حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ شأنه.

ثمّ إنّ أكثر ما يزعج الآباء والأمهات هو كون الصغير كثير اللعب، فينبغي أنْ نعلم أنّ مهنة وعمل الصغير هي اللعب، كما أنّ لكلّ إنسان مهنة وعملًا معيّنًا يقضي بها أوقاته ويسدّ فراغه، فينبغي ترك المجال له ليؤدي مهنته التي فطره الله تعالى عليها في هذه المرحلة، وتهيأة مستلزمات اللعب له.

فقد قال الحقّ جلّت حكمته على لسان إخوة سيّدنا يوسف عليه السلام:-

{أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 12].

وأمّا توجيه قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه في الحديث الشريف:-

(مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ وعلا.

فهل المراد بالأمر الصلاة فقط، أم الصلاة وغيرها؟

منهم مَنْ قال: الأمر مخصوص بالصلاة.

ومنهم مَنْ ذهب إلى أنّ المراد عموم التربية والدعوة إلى كلّ خير، فيؤمر بالسبع، ويضرب ضربًا غير مبرح في العشر.

والذي أراه أنّ المراد بالضرب ضربَ الشفقة والرحمة لا ضرب العقوبة، ولنا في سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أسوة حسنة.

فعن سيّدتنا عائشة رضي الله سبحانه عنها قالت:-

(مَا ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبِيْلِ اللهِ، وَما نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وأحبّ أنْ أروي صورة مشرقة لتربية والدي رحمه الله تعالى لي، تبيّن هذا المعنى بشكل عمليّ:-

أذكر أنّي كنتُ في سنّ العاشرة فتأخّرت عن أداء الفرض يومًا فسألني والدي: هل صلّيت؟ فسكتّ، فضربني على خدّي ضربة خفيفة جدًّا وقال لي: قُم فصلِّ، فلمّا انتهيت من الصلاة ناداني وقال: يا ولدي أنا طبّقت ما ورد في الحديث الشريف (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ) لكن لا تزعل هذه قُبْلَةٌ من هذا الشعر الأشقر والخدّ الوردي، فجزاه الله جلّ وعلا عنّي كلّ خير ورحمه رحمة واسعة.

وينبغي على الآباء أنْ ينتبهوا إلى أبنائهم فإنّ مرحلة الطفولة مرحلة بناء وتعلّم وكما قيل:-

(التَّعَلُّمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ عَلَى الحَجَرِ).

وإنّ أكثر أسباب ضياع الأبناء عند كبرهم هو إهمال الآباء لهم عند نشأتهم والقسوة عليهم وضربهم أو شتمهم لأبسط الأمور، فهؤلاء الأبناء مسؤولية الوالدين.

قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.

وهنا لا بُدّ من تنبيه الوالدين بعدم الدعاء على الأبناء عند حدوث ما يكرهونه منهم فقد قال الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-

(لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ ذكره.

لذلك لا يجوز ضرب الطفل دون سنّ السابعة، أمّا في سنّ العاشرة فالراجح عندي هو ضربه ضربًا يدلّ على المحبة والرحمة لا على العقوبة والذنب.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد شمس الضحى، ونور الهدى، وبدر الدجى، وعلى آله وصحبه أهل التقى.