26/2/2022
السؤال:
نصّ السؤال:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل
قال تعالى (إنّي جاعل في الأرض خليفة)
الله تعالى جعل الإنسان هو الخليفة
بماذا ميّز الله الإنسان بجعله خليفة الأرض عن سائر المخلوقات والملائكة؟
وجزاكم الله خير الجزاء.
الاسم: عبد الرحمن
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
إنَّ من أعظم ما اختص الله جلّ وعلا به الإنسانَ أنْ ميّزه بنعمة العلم والبيان الذَيْنِ تقومُ بهما الخلافة في إعمار الأرض على أكمل وجه.
قال جلّ جلاله وعمَّ نواله:-
{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [سورة الرحمن: 1 – 4].
وميّزه بالقدرة على حمل أمانة التكليف.
قال عزّ من قائل:-
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} [سورة الأحزاب: 72].
فلمّا اكتملت له هذه المزايا وغيرها تأهّل للخلافة في الأرض لزيادة صلاحها.
{— وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة الأعراف: 85].
إنَّ الحق سبحانه يختص مَنْ يشاء مِنْ خلقه بما يشاء ويختار، فضلا منه وكرما واجتباء، لا بسابق استحقاق.
قال جلّ في علاه:-
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة القصص: 68].
وهو عزّ شأنه بهذا الاجتباء حَكَمٌ عَدْلٌ، لا معقّب لحكمه، ولا يُسألُ عمّا يفعل.
قال سبحانه:-
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 22 – 23].
فحقّ العبد أنّ يسلّم لمولاه فيما يختاره ويرضاه، ولا يحكّم عقله القاصر، فيسلك سبيل الشيطان الرجيم، فيهوي به في الجحيم.
فقد امتنع إبليس عن كمال التسليم، وخالف فيما أمر به، فامتنع عن السجود لسيّدنا آدم عليه السلام مُقدِّما هواه على ما ارتضاه مولاه، فَهَلَكَ.
قال الله تعالى:-
{قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [سورة ص: 75 – 78].
ومع هذا فإنَّ الحق تبارك اسمه مِن كرمه ولطفه قد بيّن لنا سبب هذه العناية، وأنَّ الإنسان مُيِّزَ بهذه الخلافة لما أولاه جلّ في علاه من العلم والعمل كما سبق بيانه في الجواب المختصر.
وممّا ينبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ الإنسان إنّما يستحقّها إذا تحقق بكمال الإيمان والعمل الصالح.
قال تقدّست ذاته العليّة:-
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [سورة النور: 55].
وقال جلّ من قائل في بيان بعض مهمات مَن استخلفهم في أرضه:-
{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [سورة ص: 26].
وقال حضرة النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام:-
(مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وأمّا من كفر وتولّى، وأفسد في الأرض وطغى، فمعاذ الله أنْ يكون خليفة لله عزّ وجلّ في أرضه.
قال جلّت صفاته العُلى:-
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [سورة البقرة: 204 – 205].
والله الغنيّ الحميد أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم، على خير خليفة وأمام، وعلى آله وصحبه الكرام، وعلى التابعين له الداعين لمنهجه الشريف على الدوام، بكرمه سبحانه وفضله فهو أهل الفضل والإنعام.