30/3/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا أقرأ التاريخ كثيرا ومن حبي البحث في الحضارات السابقة لقد قرأت تفاصيل كثيرة جدا في حياة الحضارات البابلية أو السورية أو الآشورية والفرعونية وغيرها وقد وجدت ذكرا لأشياء وتفاصيل قصيرة جدا لكن حتى الآن لا يوجد ذكر لأيّ نبيّ أو رسول بأيّ حضارة قديمة حتى الآن رغم كثرة الألواح والبرديات التي عثر عليها والتي تحتوي على الكثير الكثير…
جزاكم الله خيرا وأنتظر من حضرتكم الجواب.
الاسم Haidar Muhssin
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.
إنْ لم يذكر السادة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في كتب التأريخ فلا يدلّ على عدم وجودهم ولكنّه مؤشّرٌ على ضعف اهتمام صاحب المصدر بهذا الأمر لأسباب عدّة منها:-
غياب المعرفة، أو طمس الحقيقة بسبب العداء، أو قصور في التدوين لضعف الوسائل، أو لعدم الاهتمام من قبل السادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنّهم أصحاب رسالة عظيمة لا يصلح معها طلب الشهرة كما يفعل الأباطرة والفراعنة وسائر الملوك.
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:ـ
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 111].
لقد ذكر القرآن الكريم قصص وأسماء بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفي ذلك كفاية لمَنْ أراد معرفة الحقيقة؛ فهو كتاب محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولكن يُحاول بعض المعاندين أنْ يصرفوا نظر الناس عنه ليبثّوا بذلك الشبهات عسى أنْ يصدوهم عن صراط الله تعالى المستقيم.
قال الله جل في علاه:ـ
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [سورة فصلت: 26].
أمّا من الناحية العلمية في جانب التأريخ فيمكن أنْ أذكر ما يأتي:ـ
1ـ قد يكون هناك ذكر وآثار للسادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير مكتشفة؛ فهي لقدسيتها وحبّ الناس لها تحفظ وتُخبأ ممّا يجعلها بعيدة عن الأنظار حتى يتحوّل بعضها إلى آية مباركة.
قال الله جلّ جلاله في بعض آثار سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام:ـ
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة البقرة: 248].
2ـ حذف وتحريف ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبل الكفار والمعاندين، ولقد أثبت القرآن الكريم حقيقة التحريف الذي يمارسه أعداء الله عزّ وجلّ في كلامه سبحانه فكيف لا يفعلون ذلك مع آثار الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم؟
قال عزّ من قائل:ـ
{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 75].
3ـ كلّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُعثوا لأقوامهم خاصّة.
قال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ
(أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ولعدم وجود وسائل تواصل وتدوين كما الحال في عصرنا اقتصر العلم بالنبيّ عليه الصلاة والسلام بقومه الذين غالبًا ما عادوه وكذّبوه، فالنبيّ منهم يؤمن به الرجل والرجلان، وآخرُ لا يؤمن به أحد، وإليك بعض الآيات القرآنية الشريفة التي تصف هذا العداء والتكذيب.
قال الله جلّ جلاله:ـ
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [سورة هود عليه السلام: 40].
وقال سبحانه:ـ
{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [سورة العنكبوت: 24].
وقال عزّ شأنه:ـ
{وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [سورة الأعراف: 132].
وفي سياق الآيات المباركات أعلاه يتبيّن حجم العداوة والمحاربة للسادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف نتوقع من تلك الشعوب والأقوام أنْ يحتفظوا بشيء من آثارهم، أو أنْ يدوّنوا ذكرهم كما فعلوا مع رؤسائهم وكبرائهم؟!
4ـ أمّا الأنبياء أنفسهم عليهم الصلاة والسلام فهم أصحاب رسالة ربانية غايتهم إخراج الناس من الظلمات إلى النور لا يبتغون بدعوتهم شهرة أو مكسبا.
قال الله تبارك اسمه:ـ
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ*اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [سورة يس: 20 – 21].
ولقد ذكر القرآن الكريم حقيقة عدم إخبار النبيّ عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام بقصص جميع الأنبياء والرسل.
قال الله جلّ وعلا:ـ
{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [سورة النساء: 163 – 164].
فالغاية من رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام أعظم من الوقوف عند تفاصيل ذكر الأسماء والآثار كما جاء في الآية المباركة من سورة يس أعلاه التي ذكرت حال ذلك الداعي المؤمن الذي دفعه حرصه وحبّه لدينه أنْ يدعو قومه العتاة على رغم من وجود رسل ثلاثة يقومون بهذه المهمة المباركة، ولعظيم موقفه وجهاده جاء ذكره في القرآن العظيم ولم يذكر الله تعالى اسمه المبارك.
5ـ قد يكون هناك ذكر للأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كتب التأريخ ولكنّك لم تقف عليها؛ فالعلم بحرٌ واسعٌ، وفوق كلّ ذي علم عليم، وقد يجزم المرء بشيء ثمّ بعد فترة يجد خلاف ذلك.
ولقد تصدى الباحثون لهذه الشبهة، وفصلوا القول فيها، ومنهم الدكتور سامي عامري في كتابه الموسوم: الوجود التاريخي للأنبياء وجدل البحث الأركيولوجي ـ شبهات وردود ـ، والكتاب من خمسمائة وست وخمسين صفحة تناول فيها الكاتب بالتفصيل الأمور المتعلقة بهذا الموضوع، فأرجو الاطلاع على الكتاب المذكور.
وأنصح جنابك بعدم اهدار وقتك الثمين فيما لا ينفع.
قال جلّ ذكره:ـ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [سورة المائدة: 101].
والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلّا أنّ في الآية إشارة إلى أدب البحث والسؤال فيما ينفع المسلم في حياته العملية الواقعية، ومثله قوله عزّ وجلّ:ـ
{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [سورة الكهف: 22].
وقول النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:ـ
(إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
فهذا توجيه بشكل عام يُستثنى منه كون البحث يُراد به التحقّق ممّا يخدم مسيرة الدعوة إلى حقائق العلم الداعمة لبذل الجهد في إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
وفّقكم الله سبحانه وسدّد خطاكم ونفع بكم.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّى الله تعالى على خير مرسل ومعلّم سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.