2/4/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سيّدي وسندي، تكرر معي في هذا الشهر المبارك (شهر رجب الأصب) أنْ أصبح صائما صيام تطوع وأذهب إلى عملي ويكون أحد زملائي في القسم قد أحضر للجميع طعاما أعدّه أهله أو جلبه معه من أحد المحلات أو أعدَّ شايًا ونحوه في القسم فيدعوني أو يقدّم لي شيئا ممّا أعدّ تقديما خاصًّا لا أحسبه عن مجاملة فأتحرّج من أنْ أردّه لئلا أكسر خاطره فأفطر.

هل فعلي هذا صحيح؟ وإنْ لم يكن كذلك فكيف أصحّح خطأي؟ وما هو التصرّف الأمثل في مثل هذه الحالات؟

جزى الله جل وعلا حضرتكم خيرا وجزى القائمين على هذا الموقع المبارك خيرا.

 

الاسم: عبد الله فؤاد

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:-

ينبغي لمَنْ شرع بالعبادة أنْ يتمّها فرضًا كانت أم نفلًا، فإذا دعيت إلى وليمة وأنت صائم صوم نفل فالأولى أنْ تتمَ صومك وتدعو لمَنْ دعاك بالخير والبركة وتبيّن له أنّك صائم ويجوز لك الفطر شريطة أنْ تقضي ذلك اليوم على الأرجح.

التفصيل:-

انحصرت آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة في ثلاثة أقوال:-

الأوّل: يكره قطع صيام التطوّع إلّا لعذر.

وبه قال السادة الحنفية في ظاهر الرواية، والمالكية، والحنابلة في رواية رضي الله تعالى عنهم وعنكم جميعا. حاشية الطحاوي: 454، وفتح القدير (2/360)، والتفريع (1/303)، والكافي في الفقه المالكي 129، والفروع (3/134)، والإنصاف (3/352).

الثاني: يجوز قطع صوم التطوع بلا عذر.

وبه قال السادة الحنفية في رواية، والظاهرية رضي الله تعالى عنهم. حاشية الطحاوي 454، فتح القدير (2/360)، والمحلّى (4/417).

الثالث: يكره تنزيها قطع صيام التطوع بلا عذر. ولا كراهة مع العذر.

وهو رأي السادة الشافعية، والحنابلة في الصحيح من مذهبهم. الأم (2/103)، روضة الطالبين (2/251)، الإنصاف (3/353).

وقد وردت أحاديث شريفة تبيّن فعل النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم حين دعوه إلى طعام وهو صائم، منها:-

1- (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

2- (دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ شأنه.

3- (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ (أي فَلْيَدْعُ)، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

وكذلك فعل بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

عَنْ الإِمَامِ مُجَاهِدٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-

(كَانَ ابْنُ عُمَرَ، إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ أَجَابَ، فَإِذَا جَاءُوا بِالْمَائِدَةِ وَعَلَيْهَا الطَّعَامُ مَدَّ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا أَهْوَى الْقَوْمُ كَفَّ يَدَهُ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ.

قال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البريّة جلّ جلاله:-

(وَأَعْدَلُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْوَلِيمَةَ وَهُوَ صَائِمٌ إنْ كَانَ يَنْكَسِرُ قَلْبُ الدَّاعِي بِتَرْكِ الْأَكْلِ فَالْأَكْلُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَنْكَسِرْ قَلْبُهُ فَإِتْمَامُ الصَّوْمِ أَفْضَلُ وَلَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الدَّعْوَةِ الْإِلْحَاحُ فِي الطَّعَامِ لَلْمَدْعُوِّ إذَا امْتَنَعَ فَإِنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ فَإِذَا أَلْزَمَهُ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْمَسْأَلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَلَا يَنْبَغِي لَلْمَدْعُوِّ إذَا رَأَى أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى امْتِنَاعِهِ مَفَاسِدُ أَنْ يَمْتَنِعَ فَإِنَّ فِطْرَهُ جَائِزٌ، فَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْجَائِزِ مُسْتَلْزِمًا لِأُمُورٍ مَحْذُورَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الْجَائِزَ وَرُبَّمَا يَصِيرُ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ فِي إجَابَةِ الدَّاعِي مَصْلَحَةُ الْإِجَابَةِ فَقَطْ وَفِيهَا مَفْسَدَةُ الشُّبْهَةِ فَالْمَنْعُ أَرْجَحُ) الفتاوى الكبرى (5/478).

والراجح من أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

أنْ يتمّ صومه، إلّا في بعض الحالات النادرة التي فيها جبر للخواطر، فيفطر مع وجوب القضاء، لأنّ مَنْ شرع وتلبّس بالعبادة وجب عليه إتمامها، كما لو شرع في صلاة أو عمرة وذلك بقول الله جلّ في علاه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا ‌تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [سورة سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم: 33].

وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:-

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، ‌وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.

وقد قيل:-

(مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَل مِنْ جَبْرِ ‌الخَوَاطِرِ) كشف الخفاء (2/189).

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.