14/4/2022
نص السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
سيّدي حضرة الشيخ الدكتور سعد الله أحمد عارف المحترم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يقول سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة) رواه البخاري ومسلم رضي الله عنهما.
ويحرص زوّار الحبيب الأعظم صلّى الله عليه وسلّم في مسجده الشريف في المدينة المنوّرة على الصلاة والمكوث في هذه الروضة الشريفة كلّما أمكنهم ذلك، إلّا إنّ وباء كورونا الحالي قد فرض عليهم ضوابط كثيرة حالت دون ذلك ممّا جعل بعض المرشدين الدينيين لقوافل الزائرين يقلّلون من شأنها تخفيفًا على الحجّاج والمعتمرين كما يظنّون، فهل الصلاة في الروضة الشريفة لها نفس أجر الصلاة في باقي الحرم النبوي الشريف كما يدّعون أم أنّ هناك أمورا أخرى قد خفيت عليهم فلا يدركونها؟
الاسم: عبد العزيز أبو عمر
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكرك على تواصلك مع الموقع الكريم، وأسال الله جلّ وعلا لك التوفيق والسداد، إنّه قريب مجيب.
الصلاة أو المكث في الروضة الشريفة أفضل لكثرة مزاياها وخصائصها التي ذكرت في نصوص الشرع الشريف، وبالتالي لا يصحّ مساواتها ببقعة أخرى في رحاب المسجد النبوي الشريف مع أنّ الكلّ طاهر ومبارك.
يقول سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
وفي رواية أخرى قال:-
(مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
والنصّ هنا واضح الدلالة لا يحتاج إلى تأويل ولا تشبيه، فالمقصود أنّه روضة حقيقة من رياض الجنّة وسينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنّة، فهو المكان الذي تطمئنّ فيه الروح، ويسعد به القلب، وينشرح به الصدر، ويشعر فيه بالسعادة والطمأنينة حينما يمكث أو يصلي فيه. كيف لا وقد شهد صلاة سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وركوعه وسجوده وخطبه بالناس، ومقابلته للوفود والأصحاب رضي الله تعالى عنهم وعنكم؟!
كما وتضمُّ الروضة الشريفة على أطرافها عدّة معالم:-
فمن الشرق الحجرة الشريفة التي ضمّت قبر حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، وصاحبيه سيّدنا أبي بكر الصديق، وسيّدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنهما.
ومن الجنوب محرابه المبارك عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين.
وغربا منبره الشريف.
كما تتخلّلها عدد من الاسطوانات (الأعمدة) ومن أبرزها أسطوانة السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وتقع في وسط الروضة الشريفة، وقد اتخذ سيّدنا رسول الله عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم مكانها مصلّى بعد تحويل القبلة مدّة، ثمّ تحوّل إلى مصلّاه، وكان أفاضل الصحابة والتابعين رضي الله سبحانه عنهم وعنكم يفضّلون الجلوس عندها.
فقد جاء في الصحيحين عن يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ رّحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-
(كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَهَا) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
ولقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله عزّ شأنه:-
(وَالْأُسْطُوَانَةُ الْمَذْكُورَةُ حَقَّقَ لَنَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّهَا الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الرَّوْضَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَأَنَّهَا تُعْرَفُ بِأُسْطُوَانَةِ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لَوْ عَرَفَهَا النَّاسُ لَاضْطَرَبُوْا عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ، وَإِنَّهَا أَسَرَّتْهَا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَكَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا) فتح الباري (1/577).
ولمّا كانت الصلاة في الأماكن الفاضلة وأعظمها وأفضلها مستحبة، فالمكث والصلاة في الروضة الشريفة أفضل وأبرك من باقي أجزاء المسجد المبارك.
وقال الإمام النووي رحمه الله جلّ في علاه:-
(فَأَمَّا الصَّلَاةُ إِلَيْهَا فَمُسْتَحَبَّةٌ) شرح صحيح مسلم (4/226).
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى الله على سيّد السادات سيّدنا محمد وأله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا كثيرا ما دامت الأرض والسموات.