3/5/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

حفظكم الله جلّ جلاله سيّدي حضرة الشيخ وأطال بعمركم ونفعنا بكم وجزاكم الله تعالى عنا كل خير.

سؤالي سيدي

قرأت عن سيّد الخلق صلّى الله تعالى عليه وسلّم أنّه كان لا ينتقم لنفسه بأبي وأمي ونفسي هو، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة عن الغضب، وقرأت قصّة عن سيّدنا الصديق رضي الله تعالى عنه وكيف تعامل مع المسيء، وأيضاً عن سيّدنا علي زين العابدين، وسيّدنا موسى الكاظم، والكثير من الأولياء الصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، أقاوم نفسي مرّة ولا أستطيع كبح جماحها بالمرة الثانية، عندما أقرأ قصصا عن أولياء الله الصالحين أقول يجب أن أسير على خطاهم لأنّهم يسيرون على نهج سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم ولكن إذا حصل موقف أنسى كلّ هذا وأنصاع لحديث نفسي، قبل سلوكي كنت أقول العين بالعين، ولكن بعد سلوكي طريق الحق بدأت أحاول أنْ أقاوم ولكن إذا نجحت مرّة استسلمت لنفسي بالمرّة الثانية والثالثة وأنسى كلّ شيء ولا يتملكني سوى الغضب والرد على المسيء بأي شكل من الأشكال، فهل ردّ الاساءة على المسيء يعتبر ذنباً كبيراً؟ وإنْ كان ردّ الإساءة بالمثل أو أكبر هل يشكل هذا الأمر فرقاً؟ وكيف أتعامل مع هذا الأمر يا سيدي وتاج رأسي رضي الله تعالى عنكم؟

 

الاسم: عثمان حذيفة

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على دعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر.

الجواب باختصار:ـ

حكم رد الإساءة بالمثل يختلف بحسب نوع الإساءة؛ فالإساءة كلمة واسعة، كما أنَّ ردّها بمثلها قد يجوز مثل الجهر بالسوء لمَنْ ظُلِمَ، وقد لا يجوز كرد الخيانة بالخيانة، وقد يكون بعض الردّ من صلاحية القضاء؛ فلا يُباشرها المرء بنفسه، ويختلف الردّ بالمثل عن ردّ الإساءة بأكثر منها فهذا منهي عنه بالطبع، فضلاً عن ردّ السالك الذي ينبغي أنْ يكون من باب الورع والإحسان الذي هو أضيق من باب الفقه وأحكامه، بمعنى لا يُسمح فيه بتصرّفات هي جائزة مباحة في مسائل الفقه، فالإحسان أرقى وأنبل، يليق بمَنْ سلك طريقاً إلى الله تعالى ليرقى ويتزكى ليلتحق بركب الأنبياء والصالحين عليهم الصلاة والتسليم.

التفصيل:ـ

قال الله جلّ في علاه:ـ

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [سورة فصلت: 34 – 35].

الصبر معناه الحبس، أي أنْ يحبس المسلم نفسه عند حدود الله عزّ وجلّ، ويجاهدها لتكون في مرضاته، والسالك ذاك الذي سلك طريقا إلى الله سبحانه بصحبة مرشد روحي وارث لحضرة خاتم النبيين صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، فعاهده على التمسّك بهدايات الشرع الشريف ظاهرا وباطنا، ليُؤَهَّلَ للسعادة الدنيوية، ورضوان الله جلّ جلاله في الآخرة.

وما ينتابك من أحوال التذكّر والنسيان أمر طبيعي ولكن لا ينبغي أنْ يكون النسيان والخطأ أكثر من التذكّر والامتثال، فالسالك الذي يديم الرابطة مع شيخه ينتهض حاله فيقوى ويتنوّر قلبه ليكون أكثر حضورًا وتذكّرًا واستقامة، ويقترّب شيئًا فشيئًا من صفات مرشده رضي الله تعالى عنه وعنكم، ثمّ من صفات سيّد الخلق والأخلاق سيّدنا محمّد صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه.

فحال السالك أرقى وأنبل ممّن يردّ الإساءة بمثلها فضلا عن ردّها بما هو أكبر منها، فحاله ما هدت إليه الآية الكريمة التي صدّرتُ بها الإجابة.

صحيح أنّ الشريعة الغرّاء أباحت الردّ بالمثل.

قال الله عزّ وجلّ:ـ

{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل: 126 – 128].

ولكن انظر رعاك الله جلّ جلاله كيف هدت الآيات نفسها إلى الصبر والإحسان، وهو الأدب والتوجيه القرآني الكريم في آيات عدّة، منها قول عزّ شأنه:ـ

{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 134].

فينبغي على المسلم المعاهد أنْ يحثّ نفسه على العفو وعدم الردّ ليكون قريبا من ساحة المحسنين؛ عسى الله تبارك في علاه أنْ يجعله منهم، ويقترب من سيّد المحسنين على حضرته وآله وصحبه الصلاة والتسليم القائل:ـ

(لَيْسَ الشَّدِيْدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيْدُ الّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) متفق عليه.

وينبغي الانتباه إلى أنّ الآية الكريمة ومثيلاتها اشترطت الردّ بالمثل، ولا شكّ أنّ هذا شبه مستحيل.

فالمسلم أمام الإساءة بين الخيارات الآتية:ـ

1ـ إمّا أنْ يعفو ويصفح وينال بذلك أجر الصابرين المحسنين.

2ـ أن يمسك عن العفو ليقتص من المسيء يوم القيامة، وهنا نذكر معنى دقيقا للإمام الشافعي ذكره في بيتين من الشعر تصفان عظيم إحسانه وأدبه إذ يقول:ـ

مَنْ نَالَ مِنِّي أَوْ عَـلِـقْـتُ بِذِمَّتِهِ *** أَبْـرَأْتُـــهُ للهِ شَـاكِـــرَ مِـنَّـتِـهِ

أَأُرَى مُعَوّقَ مُؤْمِنٍ يَوْمَ الجَـزَا *** أَوْ أَنْ أَسُوْأَ مُحَمَّدًا فِي أُمّتِهِ؟

فمروءته لا تسمح أنْ يعيق مسلما يوم القيامة عن دخول الجنة فيسيء للحبيب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الطيب، فحضرته الشفيق الرفيق الرؤوف الرحيم بأمته.

3ـ أنْ يقابل السيئة بمثلها دون أنْ يتجاوز إنْ كان الحقّ الذي عليه ممّا تصح المقاصة فيه.

وبالطبع فإنّ أفضل الخيارات هو الأوّل لأنّه باب للمغفرة والرضوان ونيل مقامات الإحسان والفوز بأعلى مراتب الجنان.

قال الله الرحيم الرحمن تقدّست أسماؤه:ـ

{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [سورة النساء: 149].

وقال جلّ وعلا:ـ

{وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة التغابن: 14].

وممّا يعين السالك على التحلّي بهذه الصفات المباركة ما يأتي:ـ

1ـ كثرة المرابطة مع حضرة المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم، وكثرة الذكر.

2ـ التفكّر في الأجر العظيم الذي سيناله في الدنيا والآخرة.

3ـ للعفو والإحسان أثر عظيم في صلاح المسيء وتبدل حاله.

وبالطبع فردّ الإساءة بأكبر منها محرّم في الشريعة الغرّاء لما ذكرت من الآية الشريفة أعلاه، ولقوله جلّ ذكره:ـ

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 149].

فالمقابلة بالمثل هو الجائز، وتركه أولى لما ذكرت، ولقوله جلّ جلاله:ـ

{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [سورة الشورى: 40 ـ 43].

ولنا في السُنّة المشرّفة هدايات تعين على السمو في مقامات العفو والإحسان أذكر منها ما يأتي:ـ

(أَنَّ رجلًا قَالَ: يَا رَسُول اللَّه، إِنَّ لِي قَرابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُوني، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِم وَيُسِيئُونَ إِليَّ، وأَحْلُمُ عنهُمْ وَيَجْهَلُونَ علَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلا يَزَالُ معكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلكَ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

(مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالِ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

(مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ قَادِرٌ علَى أَنْ يُنْفِذَه؛ دَعَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤُوْسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللهُ مِنَ الحُوْرِ مَا شَاءَ) الإمام أبو داود رحمه الودود عزّ شأنه.

وفّقك الله سبحانه لمراضيه، وجعلك من المتخلقين بأخلاق الصالحين المحسنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلِّ اللهمّ على خير مَنْ عَفَا وأصفح، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.