1/6/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته حفظكم الله سيّدي وجعلكم ذخرا لأمّة الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ونفعنا بعلمكم وبما أعطاكم الله من فضله أرجو أنْ أجد جوابا من حضراتكم عن حكم اللحية في الإسلام وإلى أي حدّ تكون في شكل مقبول؟

 

الاسم: محمد

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات.

الجواب باختصار:-

يجوز حلق اللحية أو إعفاؤها وترتيبها بالأخذ منها، ويستحب بقاؤها إذا لم يكن هناك داع للحلق.

وإنّ إسلام المرء ودينه لا يتوقف على هذه المسألة الفرعية الاجتهادية.

التفصيل:-

من المعلوم أنّ الأحكام الشرعية وردت باللغة العربية لذا من الواجب بيان المعنى اللغوي في كلّ مسألة يُراد التوصّل إلى حكمها قبل المعنى الاصطلاحيّ.

فما هي اللحية لغة؟

هي اسْمٌ يَجْمَعُ مِنَ الشَّعَرِ مَا نَبَتَ عَلَى الْخَدَّيْنِ والذقَن. لسان العرب (15/243).

وقال في المصباح: الشَّعْرُ النَّازِلُ عَلَى الذِّقنِ. المصباح المنير (2/551).

فتبيّن من هذا أنّ لها معنيين:-

الأوّل: ما نبت من الشعر على الخدين والذقن.

والثاني: الشعر النازل على الذقن.

فاللحية ما نبت على اللّحى، وهو عظم الحنك، الذي عليه الأسنان.

والراجح في تعريفها عند الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم هو:-

(لِحْيَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى اللَّحْيَيْنِ تَثْنِيَةٌ لحَيٍّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ) حاشية الدسوقي (1/86).

وقد تعدّدت آراؤهم فيها إلى ثلاثة أقوال:-

الأول: وجوب إعفائها، بناء على بعض الأحاديث الشريفة التي يدلّ ظاهرها على ذلك.

الثاني: إعفاؤها سنّة مستحبة وحلقها مكروه.

الثالث: إطلاقها ليس مستحبًا ولا واجبًا بل مباحٌ كسنن العادات مثل الأكل والشرب والهيئة واللباس — إلخ.

والراجح من هذه الأقوال: الثاني، وهو قول جمهور أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

وأجابوا على أنّ المراد بالأمر الوارد في إعفائها هو الاستحباب لا غير، ودليلهم على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ. قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وهذه الخصال العشرة المذكورة في هذا الحديث الشريف أغلبها (سنّة) باتفاق العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، كـ (قص الشارب، والسواك، وقصّ الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاستنجاء بالماء).

أمّا المضمضة والاستنشاق فقد تعدّدت فيهما آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم والراجح أنّهما سنّة، فلم يبق إلّا إعفاء اللحية واقترانها بهذه السنن يدلّ على أنّها سنّة، وبالتالي فإنّ حالق اللحية لا يخرج عن كونه ترك سنّة من سنن الفطرة، لكنّ ذلك مكروه.

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله عزّ وجلّ:

(وَأَمَّا حَفُّ الْوَجْهِ، فَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْحَفِّ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ لِلنِّسَاءِ، وَأَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ) المغني (1/68).

والحفّ هو أخذ الشعر من الوجه.

وقال الإمام الغزالي رحمه المتعالي جلّ جلاله:-

(وَفِي اللِّحْيَةِ عَشْرُ خِصَالٍ مَكْرُوهَةٍ وَبَعْضُهَا أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنْ بَعْضٍ —

الخَامِسُ: نَتْفُهَا أَوْ نَتْفُ بَعْضِهَا بِحُكْمِ العَبَثَ وَالهَوَسِ وَذَلِكَ مَكْرُوْهٌ) إحياء علوم الدين (1/143).

والنتف أشدّ من الحلق.

وقال الإمام النووي رحمه الله جلّ وعلا:-

(وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي اللِّحْيَةِ عَشْرَ خِصَالٍ مَكْرُوهَةٍ بَعْضُهَا أَشَدُّ قُبْحًا مِنْ بَعْضٍ — ثُمَّ عدّها وزاد خصلتين فقال:-

الثَّانِيَة عَشَر: حَلْقُهَا إِلَّا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا) شرح النووي على مسلم (3/149).

وقال أيضا:-

(وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُكْرَهُ حَلْقُهَا وَقَصُّهَا وَتَحْرِيقُهَا وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا فَحَسَنٌ وَتُكْرَهُ الشُّهْرَةُ فِي تَعْظِيمِهَا كَمَا تُكْرَهُ فِي قَصِّهَا وَجَزِّهَا) شرح النووي على مسلم (3/151).

أمّا الاستدلال ببعض الأحاديث الشريفة التي يدلّ ظاهرها على الوجوب كقوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فإنّه يدلّ على الاستحباب لا الوجوب بدليل ورود أحاديث شريفة أخرى فيها الأمر بمخالفة أهل الكتاب، مثل:-

(إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

أي أنّهم لا يغيّرون لون الشيب لشعر الرأس واللحية، فخالفوهم بصبغهما.

وقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلاَ تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

ومع أنّ الوارد في هذين الحديثين الشريفين صيغة أمر إلّا أنّه لم يقل أحد من أهل العلم بوجوب الصبغ وتغيير الشيب، بل قالوا بأنّ ذلك سنّة.

وكذا هو الحال في قوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وفي رواية أخرى قال:-

(قُصُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

إذ إنّ حفّ الشارب أو قصّه سنّة أيضًا.

قال الإمام النووي رحمه الله سبحانه:-

(وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ فَسُنَّةٌ أَيْضًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ) شرح النووي على مسلم (3/149).

وهذا ما فهمه ساداتنا من الصحابة الكرام والأئمة الأعلام رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

فعن سيّدنا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما:-

(أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا غَضِبَ فَتَلَ شَارِبَهُ، وَنَفَخَ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.

ففتله لشاربه يدلّ على أنّه لم يكن يحفّه كلّه، لذا كَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ:-

(يَأْخُذُ إِطَارَ شَارِبِهِ وَلَا يَحْلِقُهُ وَلَا يَحْفِيْهِ وَيَرَى حَلْقَهُ مِنَ المُثْلِ، وَكَانَ يَتْرُكُ لَهُ سَبْلَتَيْنِ وَيَحْتَجُّ بِفَتْلَةِ عُمَرَ لِشَارِبِهِ، إِذَا هَمَّهُ الأَمْرُ) ترتيب المدارك وتقريب المسالك (1/121).

وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا:-

(رَأَيْتُ حُمَيْدَ بْنَ هِلَالٍ، وَالْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَعَطَاءً، وَبَكْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَا يُحْفُونَ شَوَارِبَهُمْ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله سبحانه.

لذا يجب أنْ تفهم الأحاديث النبوية الشريفة التي وردت فيها صيغة الأمر على وفق القاعدة التي جعلها حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بقوله:-

(دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

إذ كيف يكون أمرا دالّا على الوجوب ثمّ يقول: فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؟!

وبناء على ما سبق يتبيّن:-

الراجح من أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ اللحية سنّة، وتارك السنّة لا يكون كافرا أو عاصيا، بل يفوته أجرها، حاله كحال مَنْ ترك السنن الرواتب وصلاة التهجّد وهي سنن مؤكّدة ذكرت أدلتها في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة.

ولزيادة الفائدة أرى من الضروري أنْ أبيّن حكم الأخذ منها، إذ تعدّدت فيه آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى أربعة أقوال:-

الأول: كراهة ذلك مطلقا.

الثاني: كراهته إلّا في حج أو عمرة فإنّه يستحب.

الثالث: استحباب أخذ ما زاد على قبضة.

الرابع: يؤخذ ما فَحُشَ منها دون تحديد.

والذي أرجحه هو الرابع لأنّه إذا كان الراجح في اللحية أنّها سنّة كما تقدّم فالأخذ منها يكون كذلك من باب أولى.

ولما روي عن حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين أنّه:-

(كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

وَعَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-

(رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مُجَفَّلُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَقَالَ: عَلَى مَا شَوَّهَ أَحَدُكُمْ أَمْسِ؟ قَالَ: وَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ يَقُولُ: خُذْ مِنْ لِحْيَتِكَ وَرَأْسِكَ) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ وعلا.

ومعنى (أَمسِ): نفسه. أي على ما شوّه أحدكم نفسه.

وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، سَمِعَ مُجَاهِدًا رَحِمَهُمَا اللهُ عَزَّ شَأنُهُ يَقُولُ:-

(رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا طَوِيلَ اللِّحْيَةِ فَقَالَ: لِمَ يُشَوِّهُ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ؟) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.

وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنُّهُ:-

(رَأَى رَجُلًا قَدْ تَرَكَ لِحْيَتَهُ حَتَّى كَبُرَتْ فَأَخَذَ يَجْذِبُهَا ثُمَّ قَالَ: ائْتُوْنِي بِجَلَمَيْنِ (المِقَصّ) ثُمَّ أَمَرَ رَجُلًا فَجَزَّ مَا تَحْتَ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَصْلِحْ شَعْرَكَ أَوْ أفْسِدْهُ، يَتْرْكُ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ سَبُعٌ مْنَ السِّبَاعِ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (22/46).

وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ يَزِيدَ رَحِمَهُ العَزِيْزُ الحَمِيْدُ قَالَ:-

(كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ جلاله.

وَعَنْ أَبِي هِلَالٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-

(سَأَلْتُ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ فَقَالَا: لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ طُولِ لِحْيَتِكَ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ في علاه.

قال الإمام ابن عابدين رحمه الله جلّ ذكره:-

(فَائِدَةٌ: رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ (مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ) الدر المختار على رد المحتار (6/407).

وقد تقدّم قول القاضي عياض رحمه الله عزّ وجلّ:-

(وأمَّا الأخذُ مِنْ طُوْلِهَا وَعَرْضِهَا فَحَسَنٌ) إكمال المعلم (2/36).

ثمّ إذا كان حكم اللحية عند العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم هو السُنّيّة وهي:-

الصفة الشرعية للفعل المطلوب طلبًا غير جازم بحيث يُثاب المرء على فعله، ولا يُعاقب على تركه.

فإنّه بهذا يتبيّن أنّ حالق لحيته لا شيء عليه، فإذا كان كذلك فإنّ الآخذ منها لا يترتب عليه شيء من باب أولى.

قال الإمام البجيرمي رحمه الله تعالى:-

(إنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ مَكْرُوهٌ حَتَّى مِنْ الرَّجُلِ وَلَيْسَ حَرَامًا) تحفة الحبيب على شرح الخطيب (4/346).

إنّ تعدد آراء أهل الذكر رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة يدلّ على أنّ الأمر فيه سعة، وقد يُلام شخص على حلق لحيته أو تخفيفها وله عذره المشروع، فأنا شخصيا إنْ أطلت لحيتي أُصَابُ بحساسيّة شديدة في بشرة وجهي تمنعني من أداء فرض غسل الوجه في الوضوء، وأقع في محاذير صحية، فلولا فضل الله تعالى ورحمته وأنّ الأمر فيه سعة لكنت في حرج شديد وهو الذي حصل إبّان إطلاقي لها ولكن الله تعالى خفّف فله الحمد والمنّة.

وقد يوجد الكثير من أمثالي، وحالهم أشدّ من حالي، فنسأل الله سبحانه أنْ يجعلنا من الشاكرين لفضله، الحامدين لتيسيره، إذ وسّع علينا أحكام الدين العظيم الذي ارتضاه لنا بقوله:-

{— الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا —} [سورة المائدة: 3].

وبقول سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(— بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ —) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

وختاما ينبغي أنْ يُعلمَ أنّ الموضوع أخذ منحًى من حياة بعض المسلمين بعيدا كلّ البُعْدِ عن روح التشريع بين مُغالٍ ومُتساهل.

وقد استغلّ المتربصون هذا الأمر فبثوا الفرقة والتنابز بالألقاب والتنافر والغلظة والتحقير بين المسلمين، بل التقاتل أحيانا عياذا بالله تعالى، وهذا مرادهم ليسهل عليهم تفتيت شمل الأمّة ونهب خيراتها واستعباد أهلها.

قال عزّ من قائل:-

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [سورة البقرة: 143].

ولو فتشت عن سبب ذلك كلّه وجدتّ دون شك أنّه التقصير في اتباع العلماء الربانيين رضي الله تعالى عنهم وعنكم انسياقا مع الهوى وأهلها.

قال الله جلّ ذكره:-

{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة القصص: 50].

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوقظ المسلمين من غفلتهم، ويجعلهم مهتمّين بمعالي الأمور، منشغلين بما شرّفهم الله عزّ وجلّ به لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، إنّه سبحانه هو الودود الغفور.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.