13/6/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي أتمنى أنّكم بصحة وخير، لديّ سؤال إنْ أمكنكم الإجابة عليه.

ما هو مذهبكم الفقهي الذي تستندون عليه في فتاويكم؟

وجزاكم الله خيرا وفتح عليكم.

 

الاسم: سائل

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه.

الجواب باختصار:-

لا ينبغي للمفتي أنْ يكون له مذهب معيّن في فتواه.

التفصيل:-

قبل الإجابة عن سؤالك أودّ أنْ أبيّن لجنابك الكريم ما يلي:-

1- إنّ هذا الموقع الميمون هو منبر للإرشاد وتوجيه العباد، وبذل الجهد لإخراجهم من الظلمات إلى النور.

وأرجو أنْ تراجع القسم الخاص بأهداف الموقع للتعرّف أكثر على الغايات التي أنشدها وأسعى لتحقيقها مستعينا بالله جلّ في علاه ومتوكلا عليه سبحانه، ثمّ بدعاء الصادقين من أمثالكم والصادقات ومشورتهم فنحن أمّة الشورى.

قال عزّ من قائل:-

{— وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ —} [سورة الشورى: 38].

والحمد لله ربّ العالمين صدري واسع، فرحم الله امرئً أهدى إليّ عيوبي.

2- إنّ الدين العظيم الذي شرّفنا به ربّنا جلّ وعلا وارتضاه لنا ينبذ التعصّب بكلّ صوره وأشكاله.

قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.

3- إنّي أحترم المذاهب الإسلامية المعتبرة وأرى من الضروري أنْ يكون للمسلم مذهب يتّبعه إنْ لم يكن قد بلغ مرتبة الاجتهاد، فهذا أسلم لدينه وحاله.

وبعد هذا البيان المقتضب لأهداف هذا الموقع المبارك أجيبك عن سؤالك فأقول وبالله جلّ وعلا التوفيق:-

قال الحقّ جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{— إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر: 28].

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.

لا علاقة لمذهبي الفقهي في الفتوى التي أذكرها في هذا الموقع المبارك، وذلك لأنّ الذين يرتادونه كثر، ومن بلدان شتى، ومذاهب متعددة، ومذهبي خاصٌّ بي اخترته لنفسي لأنّه الأقرب إلى قلبي، ولا يمكن أنْ ألزِمَ به غيري لأنّ ذلك يتسبب بما يلي:-

1- الحرج، وقد رفعه الله عزّ شأنه عنا فقال:-

{— وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ —} [سورة الحج: 78].

وقال:-

{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [سورة النساء: 28].

2- العسر والشدّة، وقد نهينا عن ذلك.

قال الله جلّ وعلا:-

{— يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ —} [سورة البقرة: 185].

وقال حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقال أيضًا:-

(يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

كما أنّ الفتوى وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله جلّ في علاه، وهذه الأخيرة ينبغي أنْ تكون وفق ما أرشد الله سبحانه إذ قال:-

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ —} [سورة النحل: 125].

ومن الحكمة مراعاة حال المستفتي، ولهذا قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

(تتغيّر الفتوى بتغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال).

ومن أمثلة تغيّر الزمان:-

عَنْ سَيِّدِنَا زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-

(جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ — فَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.

إلّا أنّ سَيِّدَنَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَمَرَ فِي عَهْدِهِ بِالتِقَاطِ ضَالَّةِ الإِبِلِ وَبَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا لِأَصْحَابِهَا، وَكَانَ هَذَا بِسَبَبِ زِيَادَةِ الفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ.

وأمّا تغيّرها بتغيّر المكان:-

قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لاَ تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الغَزْوِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

قال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى معلّقا على هذا الحديث الشريف:-

(فَهَذَا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ نَهَى عَنْ إقَامَتِهِ فِي الْغَزْوِ خَشْيَةَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ مِنْ تَعْطِيلِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ مِنْ لُحُوقِ صَاحِبِهِ بِالْمُشْرِكِينَ حَمِيَّةً وَغَضَبًا) إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/13).

ولا يخفى ما في هذا من تأثر الفتوى بالمكان.

ومثال تغيّرها بسبب الحال:-

عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله.

فكيف لي بعد ما تقدّم أنْ أعتمد مذهبا محدّدا للفتوى في هذا الصرح العالميّ؟!

أمّا حين يأتي المستفتي أو يتصل بخادمكم فإنّي أسأله عن مذهبه لأفتيه حسب ما يُوافقه علما أنّي لا أفتي إلّا في مذهبين:-

مذهب سيّدنا الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه وأكرمه كرامة الصالحين.

ومذهب سيّدنا الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ رضي الله سبحانه عنه ورحمه رحمة الأبرار المكرمين.

لأنّي لم أدرس دراسة مستفيضة سوى هذين المذهبين والحمد لله ربّ العالمين.

وأرى من الضرورة بمكان أنْ تفعّل أقوال أئمتنا الأعلام الذين لم يألوا جهدا في خدمة هذا الدين العظيم، وأَثْرَوا الفِقْهَ بتصانيفهم المباركة التي لا يمكن الاستغناء عنها لأنّها ثرية بكلّ ما تحتاجه الأمّة في كلّ العصور، فجزاهم الله الغفور جلّ جلاله عنا الخير كلّه وأجزل لهم العطاء إنّه سبحانه سميع الدعاء.

ويطيب لي أنْ أختم هذا الجواب بما أنشده الإمام البوصيري رحمه الله عزّ وجلّ إذ قال:-

وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ مُلْتَمِسٌ *** غَرْفاً مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ

مَوْلَايَ صَلِّي وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا *** عَلَى حَـبِـيْـبِـكَ خَـيْـرِ الخَـلْقِ كُلِّهِم

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.