22/6/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرحباً شيخي نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أنْ يمنّ على حضرتكم بالصحة والسلامة والعافية إنّه سميع مجيب.

سؤالي لحضرتكم رضي الله تعالى عنكم:-

لمّا فرض الله سبحانه وتعالى الصلاة على الأمة المحمدية صلى الله على الحبيب الشفيع وآله وصحبه وسلّم في حادثة الإسراء (لماذا فرض الصلاة ٥٠ صلاة) ثمّ لمّا رجع الحبيب إلى نبيّ الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقال له ارجع إلى ربك وأساله أن يخفف لأنّ أمتك لا تطيق.

لماذا لم يفرض الصلاة ربنا جلّ جلاله مباشرة الصلاة ٥ صلوات؟

بعض الناس يسأل هل نبيّ الله موسى عليه السلام أرحم بالعباد من الله جلّ جلاله وعمّ نواله؟

وأعتذر من حضرتكم سيّدي رضي الله تعالى عنكم

 

الاسم: مصعب عبد عبد الله

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد.

الجواب باختصار:-

أراد الله سبحانه إظهار فضله على سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، ومن خلاله إلى أمّته.

الصلاة في العمل خمس، وفي الأجر خمسون، ولو فرضها خمسا مباشرة لم يعرف النّاس هذا.

وأمّا عن سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام فإنّه قد خَبُر بني اسرائيل بأنّهم لا يطيقون هكذا عبادة لو فرضت عليهم، ولِحِكَمٍ أخرى يعلمها مَنْ شاء الله تعالى له معرفتها.

التفصيل:-

قَالَ سيّدُنا رَسُولُ اللَّهِ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

أراد الله تبارك وتعالى أنْ يُظهر فضل حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين على أمّته، فإكراما لحضرته جُعلت الصلاة خمسًا في العمل وخمسين في الأجر.

ونسبة العبودية كانت في أعلى مراتبها فأخذ الأمر الإلهي دون طلب التخفيف استسلاما وانقيادا.

أمّا ما يتعلّق بسيّدنا موسى عليه السلام فإنّه عانى من المؤمنين من بني إسرائيل، ناهيك عن المكذبين، فقومه كثيرًا ما كانوا يعترضون فخشي على أمّة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، عدم قدرتهم على أداء هذه الفريضة بالعدد المذكور (خمسين).

والتفاضل سنّة الله عزّ وجلّ في خلقه أجمعين ومنهم الرسل عليهم الصلاة والتسليم.

قال عزّ من قائل:-

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ —} [سورة البقرة: 253].

فمن أوجه هذا التفضيل أنّ سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام طلب من الله جلّ جلاله أنْ يراه فلم يتحقق له كما جاء في الآية الكريمة:-

{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الأعراف: 143].

أمّا حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فقد أَكْرِمَ برؤية الله سبحانه على رأي بعض أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم دون طلب، وهذا لعلوّ مقامه ورفعة قدره عند ربّه عزّ وجلّ.

كما أكرمه بالرجوع إليه أكثر من مرّة، فهذا عند أهل الذوق بيانٌ لكرم الله جلّ في علاه، كلٌّ حسب عبوديته له وتسليمه لأمره جلّ جلاله وعمّ نواله.

وأمّا ما جرى بين سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، وسيّدنا موسى عليه السلام، فيبيّن التعاون والتآزر بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنّ رسالتهم واحدة وهم في مراتبهم العلية، يرشدنا إلى ضرورة الاقتداء بهم في الدعوة إلى الله عزّ شأنه، والنصح للناس، والحرص عليهم، والتخفيف والتيسير ورفع الحرج عنهم.

وأروي عن سيّدي وسندي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه، ما يلي:-

(إنّ أعظم وصف لحضرة خاتم النبيين وسيّد المرسلين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، هو قول الله تعالى:-

{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [سورة النجم: 17 – 18].

فهذا النصّ الشريف بيّن عِظَم الطاقات التي كان يتمتّع بها سيّد الخلق محمّد صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والمجد.

 لأنّه يدلّ على التمكّن في التلقّي فمع أنّه رأى من آيات ربّه الكبرى ما زاغ منه البصر وما طغى، بينما غيره صُعِقَ بأقلّ من ذلك بكثير، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم أجمعين وارحمنا بهم يا ربّ العالمين).

وقبل هذا وبعده ينبغي البحث عن أوجه الاستفادة من النصوص الشريفة والأخبار المباركة لا لأجل الجدال -عياذا بالله سبحانه- فإنّه مذمومٌ غالبًا، وإنّما للارتقاء وتبوُّء المراحل السَنيّة، والمراتب العليّة.

قال حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ، ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.