23/6/2022

نصّ السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته حيّاكم الله تعالى شيخنا الحبيب. كما نعرف أنّ المحبّ يحشر مع مَنْ يحبّ كيف على الذي يحبّ يهوديا أو مَنْ خالف الإسلام، ما مصيره؟

أرجو من حضرتكم أنْ يتمّ الرد في أقرب وقت شكرا مسبقا لجنابكم شيخنا الفاضل ومَنْ يدير هذا الموقع المبارك.

 

الاسم: عبد الرحمن

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكرك على تواصلك مع الموقع المبارك، وحياك الله جلّ في علاه وزادك حرصا على طاعته، إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:-

وردت نصوص شريفة تدلّ على حشر المحبّ مع مَنْ أحبّ، والمقصود المحبة المنبثقة من الاعتقاد السليم.

أمّا الدنيوية فلا تشملها، كونها محبة فطرية، جبل الله تبارك اسمه خلقه عليها، فحبّ الوالدين أمر فطري وقد يكونا على غير ملة الإسلام، وكذا القرابة والجار والأصدقاء.

التفصيل:-

عَنْ سيّدنا أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ:-

(أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا. قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.

وَعَنْهُ أيضًا:-

(أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ، وَلَا يَبْلُغُ عَمَلَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

فالمحبّة المقصودة هنا هي المنبثقة من المعتقد السليم، فمَنْ أحبّ الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم لصلاحهم، وما هم عليه من التقوى والدين، يُرجى أنْ يجمعه الله جلّ وعلا معهم في جنّته.

ومَنْ أحبّ الفجّار والكفّار لكفرهم ومعتقدهم، ثمّ والاهم على ما هم عليه، كان ذلك سببا في دخوله النار معهم عياذا بالله سبحانه.

فقوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»

(دَلَّ هَذَا أَنَّ مَنْ أَحَبَّ عَبْدًا فِي اللهِ فَإِنَّ اللهَ جَامِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي جَنَّتِهِ ومُدْخِلُهَ مَدْخَلَهُ وإنْ قَصُرَ عَنْ عَمَلِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ) يَعْنِي فِي العَمَلِ وَالمَنْزِلَةِ، وَبَيَانِ هَذَا المَعْنَى – وَاللهُ أَعْلَمُ – أَنَّهُ لَمَّا كَانَ المُحِبُّ لِلْصَّالِحِيْنَ وَإِنَّمَا أَحَبَّهُمْ مِنْ أَجْلِ طَاعَتِهِمْ للهِ، وَكَانَتِ المَحَبَّةُ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ القُلُوْبِ وَاعْتِقَادًا لَهَا أَثَابَ اللهُ مُعْتَقِدَ ذَلِكَ ثَوَابَ الصَّالِحِيْنَ إِذِ النِّيَّةُ هِيَ الأَصْلُ وَالعَمَلُ تَابِعٌ لَهَا، وَاللهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ) شرح ابن بطال رحمه المتعال جلّ جلاله (9/333).

وذكر الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في الحديث عن كبيرة محبّة الظلمة والفسقة وبُغض الصالحين ما نصّه باختصار:-

(تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَيْنِ كَبِيرَةً هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْآتِيَةُ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ» وَلَهُ وَجْهٌ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَحَبَّ الْفَاسِقِينَ لِفِسْقِهِمْ وَبَغَضَ الصَّالِحِينَ لِصَلَاحِهِمْ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَبَّةَ الْفِسْقِ كَبِيرَةٌ كَفِعْلِهِ وَكَذَا بُغْضُ الصَّالِحِينَ لِأَنَّ حُبَّ أُولَئِكَ الْفَاسِقِينَ وَبُغْضَ الصَّالِحِينَ يَدُلُّ عَلَى انْفِكَاكِ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى بُغْضِهِ، وَبُغْضُ الْإِسْلَامِ كُفْرٌ فَمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً) الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/184).

فالمحبة الفطرية غير داخلة في معنى هذا الحديث الشريف.

قال ربنا جلّ في علاه:-

{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة الممتحنة: 8-9].

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا وحبيبنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا