24/6/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اشتقنا لكم سيّدي حضرة الشيخ ونتمنّى لكم دوام الصحة والعافية.
سؤالي: كثر اللغط مؤخراً حول جواز الترحّم على غير المسلم من عدمه، البعض يقول بجواز الترحّم وعدم جواز طلب المغفرة، وبعضهم يقول: إنّه لا يجوز الترحم ولا الاستغفار، وأكثر الناس يشنّعون، على مَنْ يمنع الترحّم والاستغفار لشخص غير مسلم، أفنى حياته بخدمة المسلمين أكثر من بعض المسلمين – برأيهم – وقضاياهم العادلة، موضوع يتكرر دائماً ويختلف فيه أهل الرأي والعلم فضلاً عن عوام الناس، ويخضع في كثير من الأحيان للتسْييس، والخلط والعاطفة.
شخصياً اختلط عليّ الأمر، فأحببت رأيكم في المسألة.
جزاكم الله عنا خير الجزاء
الاسم: أحمد عز الدين
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلك، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر.
إنّ بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فرّقوا بين الدعاء بالمغفرة للكافر، وبين الدعاء بالرحمة له، فاتفقوا على منع الأوّل، وتعدّدت آراؤهم في الثاني، فأجازه بعضهم مستدلين بقوله سبحانه:-
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ —} [سورة الأعراف: 156].
وقوله جلّ جلاله:ـ
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سورة النساء: 48].
فالهدايات الشريفة من الآيتين المباركتين تُشير بمفهوم هو أخصّ من دعوى مطلق الدعاء للكافر، وأنّ الذي لا يجوز هو الدعاء بالمغفرة على جريمة الشرك والكفر، وأمّا ما عدا ذلك فإمكانيته غير ممنوعة إنْ شاء الله تعالى، وهو على كلّ شيء قدير، لا يُسأل عمّا يفعل عزّ شأنه.
ولا ينبغي الخوض مع الناس فيما لا فائدة منه، وقد يكون سبباً للتفرقة والشحناء، فترك الجدال من خصال المؤمنين الذين يُدركون الواقع وما يجب الانشغال به.
قال الحقّ جلّ جلاله وعمّ نواله:ـ
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [سورة الأعراف: 156].
وفي هدايات قوله الكريم {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، وعلى وفق قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب يقتضي الفهم بأنّ رحمة الله سبحانه تشمل كلّ شيء؛ وهي رحمة واسعة، ولكن مظاهرها تختلف من شخص لآخر بحسب إيمانه، فرحمته بالكافر أنْ يُعامله بالعدل، فلا يظلمه ـ حاشاه تعالى ـ فضلا عن تخفيف عذابه إن استحقه، ففي الحديث الشريف أنّ أبا لهب لمّا أعتق السيّدة ثويبة رضي الله تعالى عنها إذ بشّرته بولادة حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:ـ
(— وثُوَيْبَةُ مَوْلاَةٌ لِأَبِي لَهَبٍ: كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
قوله: بشر حيبة؛ أي: على أسوأ حالة، وقَوْله: سُقيِتُ فِي هَذِهِ، أَرَادَ الوقبة الَّتِي بَين الْإِبْهَام والسَّبابة.
قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى:-
(قَوْلُهُ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي كَذَا فِي الْأُصُولِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ رَخَاءً وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمْ أَلْقَ بعدكم رَاحَة قَالَ ابن بَطَّالٍ سَقَطَ الْمَفْعُولُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ) فتح الباري (9/145).
واستدلّ جماعة من الفقهاء رحمهم الله تعالى بهذه الرواية على أنّ الأعمال الخيّرة للكافر تنفعه في تخفيف عذابه، ولا شك بأنّ هذا نوع من أنواع الرحمة. يُنظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال رحمه الله جل وعلا (7/195)، فتح الباري (11/431).
فاستعمال لفظ الرحمة لغير المسلمين يوجب النظر في معناها، أي تحرير اللفظ، وعندئذ يأتي الحكم.
فالرحمة في اللغة هي العطف والخير والنعمة، فتشمل الرحمة في الدنيا والآخرة، وتشمل كذلك معنى الهداية، وهذا ما أفضّله كما كان هدي النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في الدعاء لقومه بقوله الشريف:ـ
(اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ.
وفي القرآن الكريم نجدها ومشتقاتها في مئات المواضع، وأنّها تعمّ المسلم والكافر في الدنيا، وتصيب حتّى الكافر في الآخرة أحيانا، فرحمة الله عزّ وجلّ بالكافر ظهور عدله فيه بلا ظلم، لقوله جلّ ذكره:ـ
{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سورة غافر: 17].
وكما أنّ النَّار محلّ عدل الله جلّ جلاله، فإنّ الجنّة هي محلّ فضله ورحمته سبحانه التي سيظهرها بالمؤمنين.
فقولنا: اللهمّ ارحم فلانًا، فإنْ كان مؤمنًا نرجو أنْ يرحمه الله تعالى بفضله، وإنْ كان غير ذلك فنرجو أنْ يرحمه بعدله، وهو على كلّ شيء قدير، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.
وبهذا المعنى الواسع نفهم تكملة الآية الشريفة:-
{…فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.
أي سأكتبها في الآخرة على سبيل الفضل في الجنان لمَنْ تحقق بمقتضيات ما جاء فيها.
وما يُدرينا ونحن العباد المخلوقون كم هي بطون الرحمة الكامنة في محلّ عدل الله تعالى أي في النار!
ألم يجعل الله سبحانه أهل النار فيها يتكلمون ويتخاصمون.
قال جلّ وعلا:ـ
{إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} [سورة ص: 64].
وكان من الممكن أنْ يكون عذابهم فيها انفراديا؛ فتكون الوَحْدَةُ بما فيها من وَحْشَةٍ عَذَابًا فوق عذابهم.
إنّ ما يحصل في الآخرة لا يمكن الجزم فيه إلّا عن طريق النصّ من الشارع الكريم، وبالنظر في عموم النصوص في الكتاب العظيم والسُنّة المشرّفة نجد أنّ بعض الكفّار يخفّف عذابهم بسبب قلّة شرّهم، أو بسبب الشفاعة في بعضهم، وأنّى لنا أنْ نُدرك كلّ صور الرحمة ومداها الواسع المخبأ في علم الله عزّ شأنه!
ومن أمثلتها شفاعة نبيّنا الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم، لجميع الناس في المحشر، وهي محلّ اتفاق بين العلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم.
فعَنْ سيّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه، قَالَ:ـ
(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ – وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ – فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، قَالَ: فَيَأْتُونَ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ، أَبُو الْخَلْقِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ، قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجَهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ – قَالَ: فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ – قَالَ: فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ) الإمام مسلم رحمه الله تبارك اسمه.
فتيسير عسير الموقف صورة من صور الرحمة التي ستشمل الجميع، وهذا شيء يسير ممّا يمكن فهمه من النصوص الشريفة؛ إذ الأمر متعلّق بالله سبحانه الواسع العظيم الذي لا تحيط عقولنا بعظيم رحمته جلّ جلاله وعمّ نواله.
فليس هناك كون من الأكوان إلّا وصفات الله عزّ وجلّ فيه عاملة، ولكن الفرق بين هذه الأكوان أنّ بعض الصفات تكون فيها باطنة بينما تكون في بعضها الآخر ظاهرة؛ والعكس صحيح، ففي النار عدله وانتقامه ظاهر ورحمته باطنة، فيعامل أهلَ الجنة بالجمال، ويُعامل أهلَ النار بالجلال، وفي كلّ ذلك رحمة.
كما أنّ رفض الترحّم على غير المسلم في نظر مَنْ يرفضها كأنّه تحديد لكيفية ونوع الرحمة التي ينبغي أنْ يتجلّى الله تعالى بها على خلقه، وهذا تدخّل في فعل الله جلّ وعلا، وهو ليس من شأننا أوّلا، وحصر لمفهوم الرحمة ثانيا، فالجاهل بمفهوم الرحمة الواسع كأنّه يطلب من الله تعالى أنْ يرحمه بالطريقة التي يعرفها هو فقط، ويريد بعقله أنْ يقيد فعل الخالق سبحانه، وهذا جهل بهذه الصفة الواسعة العظيمة.
والذي يعرف ربّه عزّ شأنه يعذر خلقه في كلامهم؛ فلا يخلو الكلام من وجه من وجوه الصحّة، فكلّما زاد علم المرء واتسع صدره قلّ إنكاره واعتراضه.
ولنا أنْ نتفكر بالرواية المباركة الآتية:ـ
عَنْ سَيِّدِنَا جُنْدَبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم تقدّست أسماؤه.
ومن المهم جدًّا أنْ نحذِّر من الحكم على شخص ما بالكفر فلا يُعلم على أيّ حال مات.
وقد ثبت واقعا قديما وحديثا أنّ الكثير عاشوا بين النّاس على غير دين الإسلام، ومنهم قسيسين في الظاهر ثمّ تبيّن أنّهم كانوا مسلمين أخفوا إيمانهم لأسباب، منها: الخوف على أنفسهم أو أهليهم.
قال الله جلّ جلاله:ـ
{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [سورة الفتح: 25].
قال علماء التفسير رحمهم الله تعالى:ـ
(وَقَوْلُهُ: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ} أَيْ: بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِمَّنْ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وَيُخْفِيهِ مِنْهُمْ خِيفَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، لَكُنَّا سَلَّطْنَاكُمْ عَلَيْهِمْ فَقَتَلْتُمُوهُمْ وَأَبَدْتُمْ خَضْرَاءَهُمْ، وَلَكِنْ بَيْنَ أَفْنَائِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَقْوَامٌ لَا تَعْرِفُونَهُمْ حَالَةَ الْقَتْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ} أَيْ: إِثْمٌ وَغَرَامَةٌ {بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} أَيْ: يُؤَخِّرُ عُقُوبَتَهُمْ لِيُخَلِّصَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَرْجِعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ: {لَوْ تَزَيَّلُوا} أَيْ: لَوْ تَمَيَّزَ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أَيْ: لَسَلَّطْنَاكُمْ عَلَيْهِمْ فَلَقَتَلْتُمُوهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا) تفسير القرآن العظيم (7/344).
ومن صور الرحمة وحُسن الظنّ أيضًا: الصلاة على مَنْ قتل نفسه، فالكثير من العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم قالوا بتجهيزه وتكفينه والصلاة عليه، لأنّه لا يُعلم كيف كانت خاتمته، ومن النصوص الواردة قولهم:ـ
((وَتَجْهِيزُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ بِغَسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَحَمْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ وَلَوْ قَاتِلَ نَفْسَهُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) بِالْإِجْمَاعِ) حاشية البجيرمي على شرح المنهج (1/452).
أمّا ما ورد عَنْ سيّدنا جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، رضي الله تعالى عنه:ـ
(أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
فقد قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في شرحه:ـ
(وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَجْرًا لَهُمْ عَنِ التَّسَاهُلِ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَعَنْ إِهْمَالِ وَفَائِهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ الْقَاضِي: مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وَوَلَدِ الزِّنَى) شرح الإمام النووي (7/47).
وليس في السواد الأعظم من المسلمين إشكال في هذا بل الإشكال يصنعه دائما ضيّقوا الأفق من المتشدّدين الذين يرغبون في نشر الجدال والشقاق بين المسلمين، وهذا شأنهم منذ قرن من الزمان أو يزيد؛ أسأل الله تعالى لهم التوبة والهداية.
والدعاء بالرحمة لا يقتضي أنْ تكون كما يظنّ الناس؛ كأنّما نوجب بالدعاء على الله عزّ وجلّ أنْ يدخله الجنة، فرحمة الله سبحانه واسعة، ولها صور متعددة لا يمكن للمخلوق إدراكها كلّها كما أسلفت.
وقال أهل التفسير من المحققين رحمهم الله جلّ وعلا في قوله تعالى:ـ
{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [سورة الأنعام: 132].
إنّ المعنى شامل للمسلمين وغيرهم، فلا التابع كالمتبوع ولا الرئيس كالمرؤوس، كذلك لا يمكن أنْ يُسَاوَى بين المجرم المشرك المحارب بغيره، فهذا كلّه من مقتضيات مظهر عدل الله تعالى فيهم، وفي باطنه الرحمة منه جلّ جلاله وعمّ نواله.
يُنظر: تفسير السعدي ص 273 – 274.
أمّا إذا ثبت كفر إنسان بالظاهر، ومات مقرًّا على نفسه أنّه على غير ملّة الإسلام فتعزيته تعدّدت في جوازها أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، فمنعها بعضهم، وأجازها البعض الآخر، وهو الأصح الأنفع الموافق لهدايات الشريعة الغرّاء.
وإليكم بعض النصوص الواردة في مدوناتهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:ـ
(وَيَقُوْلُ فِي تَعْزِيَةِ الكَافِرِ بِالمُسْلِمِ: أَحْسَنَ اللهُ عَزَاكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ، وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللهُ عَلَيْكَ وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ.
تَوَقَّفَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَعْزِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهِيَ تَخْرُجُ عَلَى عِيَادَتِهِمْ وَفِيْهَا رِوَايَتَانِ:-
(إِحْدَاهُمَا) لَا نَعُوْدُهُمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “لَا تَبْدَؤُوْهُمْ بِالسَّلَامِ” وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
(وَالثَّانِيَة) نَعُوْدُهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى غُلَامًا مِنَ اليَهُوْدِ كَانَ مَرِضَ يَعُوْدُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ “أَسْلِم” فَنَظَرَ إِلَى أَبِيْهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُوْلُ “الحَمْدُ للهِ الّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ” رَوَاهُ البُخَارِي، فَعَلَى هَذَا يُعَزِّيْهِمْ وَيَقُوْلُ مَا ذَكَرْنَا، وَيَقْصِدُ بِقَوْلِهِ: لَا نَقَصَ عَدَدكَ، زِيَادَة عَدَدِهِمْ لِتَكْثُرَ جِزْيَتُهُمْ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْن بَطَّة: يَقُوْلُ: أَعْطَاكَ اللهُ عَلَى مُصِيْبَتِكَ أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِيْنِكَ) الشرح الكبير على متن المقنع (2/428).
ولنتأملّ قوله تعالى:ـ
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [سورة التوبة: 113].
فكلمة [تَبَيَّنَ] تؤكّد ضرورة معرفة حال مَنْ مات، وهذا متعسّر بعد انقطاع الوحي الكريم، فالآية الكريمة دلّت بما نهانا أنْ نستغفر لمَنْ علمنا أنّه من أهل النار. ينظر: تفسير الماتريدي (5/491).
وعلى وفق هذا البيان من الشارع الحكيم كانت صلاة النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم على النجاشي رضي الله تعالى عنه إذ علمَ بإسلامه، وكان قد كتمه عن قومه، ومات بين ظهرانيهم.
فعن سيّدنا حذيفة بن أسيد رضي الله تعالى عنه:ـ
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ مَوْتُ النَّجَاشِيِّ فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ، فَصَفَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ) الإمام أبو داود رحمه المعبود جلّت حكمته.
وهكذا لا ينبغي للمسلم أنْ يجزم بمصير أحد، بل يحكم بالظاهر؛ فمَنْ أظهر الإسلام ومات قُمْنَا بحقّه من غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وإنْ أبطن الكفر.
وإنْ مات شخص وهو يُظهر الكفرَ لم نقم له بما سبق، ويُدفنُ في مقابر الكافرين، لكن لا نجزم بمصيره.
والخلاصة:-
إنّ الدعاء بالرحمة العامّة التي وسعت كلّ شيء لا تدخل ضمن الدعاء المنهي عنه في النصوص الواردة.
ختامًا:-
آمل أنْ تكون اهتمامات المسلمين في القضايا الفاعلة للنهوض بواقعهم الإسلامي بما يعزّز إمكانية إخراج أنفسهم والآخرين من الظلمات إلى النور، وعدم هدر أوقاتهم وطاقاتهم في الجدال والنقاشات التي تُورث الظلمة والنزاع والشقاق.
وفّقكم الله عزّ وجلّ لمعالي الأمور، وجعلكم منارا للخير والنور.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على صاحب الشفاعة العظمى سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.