26/7/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته

سيّدي الكريم وقرّة عيني أسأل الله تعالى أن يجزيكم عنّا خير الجزاء ويبارك لنا في عمركم وعلومكم ويتم عليكم كمال عافيته ورضوانه.

سيّدي ما موقف الشريعة ممّا يسمى بقانون الجذب؟ وكثيرا ممّن يدعون هذا القانون يستشهدون له بحسن الظنّ والتفاؤل.

فهل هو يماثل حسن الظن بالله تعالى؟

 

الاسم: سائلة

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقكِ المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتكِ الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقكِ لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:ـ

يُحاول أعداء الإسلام صرف النّاس عن كلّ فضيلة وجمال في شريعتنا الغرّاء فيضعون للمعاني الشرعية مسمّيات يصرفون بها قلوب وعقول الناس عن أصل الخيرية فيها، فهي من الله جلّ وعلا الذي بيده الخير كله، وبهذا يتأثر بعض الناس فيتوجهون إلى التعلّق بالكواكب والأفكار المختلفة فيبتعدون عن تحقيق عبوديتهم لله جلّ جلاله، وهذا الأمر ليس غريبا فهم منذ القدم يجتهدون فيه.

قال عزّ من قائل:-

{— وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة الأنفال: 30].

التفصيل:ـ

قال الحقّ جلّت قدرته:ـ

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [سورة فصلت: 26].

في هدايات هذا النصّ المبارك نفهم حجم الجهود التي تبذلها ملّة الكفر في محاربة المعاني الشرعية التي تهدي لكل جمال وكمال، قال علماء التفسير رحمهم الله عزّ وجلّ:ـ

(وَهَذَا حِكَايَةٌ لِحَالٍ أُخْرَى مِنْ أَحْوَالِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ وَصَفَ إِعْرَاضَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمُ انْتَقَلَ إِلَى وَصْفِ تَلْقِينِهِمُ النَّاسَ أَسَالِيبَ الْإِعْرَاضِ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُنَا هُمْ أَيِمَّةُ الْكُفْرِ يَقُولُونَ لِعَامَّتِهِمْ:-

لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ هُوَ أَكْمَلُ الْكَلَامِ، شَرِيفَ مُعَانٍ وَبَلَاغَةَ تَرَاكِيبَ وَفَصَاحَةَ أَلْفَاظٍ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُهُ وَتُدَاخِلُ نَفْسَهُ جَزَالَةُ أَلْفَاظِهِ وَسُمُوُّ أَغْرَاضِهِ قَضَى لَهُ فَهْمُهُ أَنَّهُ حَقٌّ اتِّبَاعُهُ، وَقَدْ أَدْرَكُوا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ غَالَبَتْهُمْ مَحَبَّةُ الدَّوَامِ عَلَى سِيَادَةِ قَوْمِهِمْ فَتَمَالَؤُوْا وَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا لِمَنْعِ النَّاسِ مِنِ اسْتِمَاعِهِ، وَذَلِكَ خَشْيَةً مِنْ أَنْ تَرِقَّ قُلُوبُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فَصَرَفُوهُمْ عَنْ سَمَاعِهِ.

وَهَذَا مِنْ شَأْنِ دُعَاةِ الضَّلَالِ وَالْبَاطِلِ أَنْ يَكُمُّوا أَفْوَاهَ النَّاطِقِينَ بِالْحَقِّ وَالْحُجَّةِ، بِمَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ تَخْوِيفٍ وَتَسْوِيلٍ، وَتَرْهِيبٍ وَتَرْغِيبٍ وَلَا يَدَعُوا النَّاسَ يَتَجَادَلُونَ بِالْحُجَّةِ وَيَتَرَاجَعُونَ بِالْأَدِلَّةِ لِأَنَّهُمْ يُوقِنُونَ أَنَّ حُجَّةَ خُصُومِهِمْ أَنْهَضُ، فَهُمْ يَسْتُرُونَهَا وَيُدَافِعُونَهَا لَا بِمِثْلِهَا وَلَكِنْ بِأَسَالِيبَ مِنَ الْبُهْتَانِ وَالتَّضْلِيلِ، فَإِذَا أَعْيَتْهُمُ الْحِيَلُ وَرَأَوْا بِوَارِقَ الْحَقِّ تَخْفُقُ خَشَوْا أَنْ يَعُمَّ نُورُهَا النَّاسَ الَّذِينَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنْ خَيْرٍ وَرُشْدٍ عَدَلُوا إِلَى لَغْوِ الْكَلَامِ وَنَفَخُوا فِي أَبْوَاقِ اللَّغْوِ وَالْجَعْجَعَةِ لَعَلَّهُمْ يَغْلِبُونَ بِذَلِكَ عَلَى حُجَجِ الْحَقِّ وَيَغْمُرُونَ الْكَلَامَ الْقَوْلَ الصَّالِحَ بِاللَّغْوِ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ هَؤُلَاءِ.

فَقَوْلُهُمْ: لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ تَحْذِيرًا وَاسْتِهْزَاءً بِالْقُرْآنِ، فَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحْقِيرِ) تفسير التحرير والتنوير (24/ 276 ـ 277).

وصور الصدّ عن الأصول الشرعية القرآنية والنبوية متعدّدة ومتنوّعة ومنها ما يُسمّى بقانون الجذب الذي مفاده بأنّ مجريات حياتنا وما نروم الحصول عليه إنّما هو نتاج أفكارنا في الماضي الذي سيصنع مستقبلنا، وبهذا فإنّ قوّة أفكارنا هي من تجذب لنا الأمور الإيجابية أو السلبية، وهذه أفكار ليست بالجديدة فقد قال بها أقوام في عصور متقدّمة، وقد تكون أصولها من بقايا وصايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلّا أنّه قد شابها الانحراف والتزييف فخرجت عن أصولها الشرعية الصحيحة التي ترجع بها إلى قدرة الله تعالى وقدره في الأكوان إلى ما سواه جلّ جلاله وعمّ نواله.

ويبقى قانون الجذب فرضية لم تثبت صحّتها إذ لا يوجد أساس علمي لها.

أمّا الشريعة الغرّاء فقد ندبت للعمل واتخاذ الأسباب المادية والروحية المطلوبة فيه ومنها التوكل على الله جلّ وعلا والتفاؤل وحُسن الظنّ بالله عزّ شأنه القائل:ـ

{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [سورة النجم: 39].

وتبقى الأمور في دائرة المشيئة الإلهية، فهو القائل جلّ جلاله:ـ

{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة الإنسان: 30].

فهو سبحانه العليم بأحوال العباد وما يُصلحهم، الحكيم في تدبير شؤونهم كلها، وتكليف المسلم هو بذل الجهد فيما أقامه الله تعالى فيه مع حُسن الظن به تبارك في علاه، والتخلّق بأخلاق حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام الذي كَانَ:-

(يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال الله تبارك اسمه في الحديث القدسي:ـ

(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.

وفي هذه الهدايات توجيهٌ لقلب وعقل المسلم، وترتيبٌ لأحواله في هذه الحياة ليمضي متوكّلًا على مولاه تعالى باذلًا جُهْدَهُ، متخذًا الأسباب الموجبة لنجاحه، وهو بذلك منشرح الصدر واثق بفضل ربّه العظيم الذي لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى بل يفيض من فضله ويُضاعف بالبركات على المتوكلين عليه؛ فهو المنعم الوهاب جلّ جلاله وعمّ نواله القائل:-

{— وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [سورة الطلاق: 3].

ولمزيد فائدة أرجو الاطلاع على المشاركة المرقمة (95) في هذا الموقع الميمون.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.