5/8/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أرجو الله تبارك وتعالى لكم دوام الصحة والعافية شيخنا وأن يمتعنا بحياتكم وينفعنا بعلومكم ودعواتكم..

شيخنا كثر الكلام عن حكم المشروبات الغازية، فلعكم تكرمونا بالجواب مشكورين جزاكم الله تعالى خيرا.

 

خادمتكم

 

الاسم: أم غياث الدين

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكر تواصلك مع الموقع الميمون، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله سبحانه لك بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

الأصل في الأطعمة والأشربة كلّها الحلّ حتى يثبت التحريم، وقد أجريت دراسات عديدة وكثيرة حول المشروبات الغازية ولم تُثبت هذه الدراسات ضررها إلى وقتنا الحاضر، فهي من المباحات ما لم يطرأ على مكوّناتها شيئًا في المستقبل قد يغيّر حكمها من الاِباحة إلى الحرمة.

التفصيل:-

تنقسم المشروبات الغازية إلى قسمين:-

الأوّل:-

تسمّى مشروبات الطاقة وتمّت الإجابة عنها في السؤال المرقم (1472) في هذا الموقع الكريم.

الثاني:-

المشروبات الغازية الأخرى والتي تحتوي نسبة ضئيلة من الكحول، وقد بحث المختصون حكم استعمال الكحول وبعض الإنزيمات الأخرى ووجدوا أنّها استحالت، أي تحوّلت عن طبيعتها الأصلية، وتوصّلوا إلى إباحة هذه الأطعمة لغياب المادّة المحرّمة في المادّة المباحة بعد تحوّلها عن أصلها، بل أحيانًا يتغيّر تكوينها الكيميائي وتتحوّل إلى مادّة أخرى، فالمواد الإضافية في الشراب والغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو محرّم تنقلب إلى مواد مباحة شرعًا بإحدى طريقتين:-

1- الاستحالة: وتعني (تغيّر حقيقة المادّة النجسة أو المحرّم تناولها، وانقلاب عينها إلى مادة مباينة لها في الاسم والخصائص والصفات).

كما يحصل التفاعل الكيميائي في تحوّل بعض الفاكهة بالتخمير إلى خمر ثمّ إلى خلّ بطول المدّة، وتحوّل جلد الحيوان المحكوم بنجاسته بالدباغة إلى طاهر.

 

2- الاستهلاك: ويكون ذلك بامتزاج مادة محرّمة أو نجسة بأخرى طاهرة، ممّا يُذهب عنها صفة النجاسة والحرمة شرعًا، إذا زالت صفات ذلك المخالِط ويسمّى (بالمغلوب) المحرّم من الطعم واللون والرائحة، حيث يصير المغلوب مستهلَكًا بالمادة المباحة وتسمّى (بالغالب) إلى المباح، ويكون الحكم للغالب، ومثال ذلك:-

المركبات الإضافية التي يستعمل من محلولها في الكحول كميّة قليلة جدًّا في الغذاء والدواء، كالملوّنات والمواد الحافظة وغيرها.

كذلك بعض المواد مثل (الليستين) و (الكوليسترول) المستخرجان من أصول نجسة بدون استحالة، يجوز استخدامهما في الغذاء والدواء بمقادير قليلة جدًّا لذهاب صفة النجاسة بعد استهلاكها في المخلوط لقلّة المادة النجسة (المغلوبة) وكثرة المادة الطاهرة (الغالبة).

وأغلب السادة الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم متفقون على أنّ الخمر لو أضيف إلى سائل أو مادّة استهلكت فيها الخمر استهلاكًا تامًّا بحيث لم تَعُدْ تلك المادة مسكرة ولو شرب منها الكثير فإنّ تلك المادة تصبح حلالًا، وما فيها من الخمر معفوًّا عنه؛ لأنّه داخل في حكم المستهلَك، وقد استدلوا على ذلك بفعل حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عندما أُتِيَ بجبن من الشام وأُخْبِرَ بأنّه يُعقد بأنفحة نجسة فجوّز أكله ولم ينه عنه.

فَعَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-

(أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ، فَسَمَّى وَقَطَعَ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود تقدّست أسماؤه.

وَعَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-

(أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجُبْنَةٍ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: أَيْنَ صُنِعَتْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: بِفَارِسَ، وَنَحْنُ نُرَى أَنَّهُ يُجْعَلُ فِيهَا مَيْتَةً. فَقَالَ: اطْعَنُوا فِيهَا بِالسِّكِّينِ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَكُلُوا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.

والمشروبات الغازية تسمّى الغازوزة وهي:-

(شَرَابٌ حُلْوٌ فِيْهِ قَلِيْلٌ مِنَ الزّيُوْتِ العِطْرِيَةِ، مَشَبَّعٌ بِغَازِ ثَانِي أُوْكسِيْدِ الكَرْبُوْن تَحْتَ ضَغْطٍ أَعْلَى مِنَ الضَّغْطِ الجَوِّيّ، وَقَدْ تُضَافُ إِلَيْهِ مَوَادٌّ أُخْرَى تُكْسِبُهُ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا خَاصًّا) المعجم الوسيط (2/642).

والزيوت العطرية الداخلة في صناعتها لا تمتزج بباقي موادها إلّا إذا حلت بإضافة جزء من الغول (الكحول) إليها، والغول مسكر، بل هو روح المسكرات كلّها، فهو نجس عند الجمهور، وبه يتنجّس الزيت والغازوزة فيحرم شربها، هذا ما يبدو لأوّل وهلة. لكن إذا أمعنا النظر أمكننا القول:-

إنّ إضافة الغول إنّما هي للإصلاح فشأنها شأن إذابة الأنفحة النجسة إلى اللبن ليصير جبنا. وقد قالوا: إنّ الأنفحة لا تنجس اللبن بل يعفى عنها، هذا إذا قلنا إنّ الغول نجس، فإنْ قلنا إنّه طاهر كما قال الشوكاني، وكما اختارته لجنة الفتوى في الأزهر الشريف فلا إشكال. ينظر كتاب مجلة مجمع الفقه الإسلامي (8/363)، وكتاب موقع الإسلام (5/959).

لذلك لا مانع من شرب المشروبات الغازية وإنْ تضمّنت مكوناتها بعض المواد النجسة كونها قليلة جدًّا، ولأنّها تتغيّر إلى مادة أخرى إمّا بالاستحالة، أو بالاستهلاك كبقيّة الأطعمة والأدوية الأخرى.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.