10/8/2022

نص السؤال:

السلام عليكم

كل عام وأنتم بخير شيخي وإن شاء الله تكونون بصحة وعافية ونسأل الله أنْ يطيل بعمركم لخدمة هذا الدين.

شيخي هل يجوز زيارة القبور للنساء بنت لم تزر قبر والدتها منذ وفاتها إلى الآن هل هذا التصرف صحيح؟

 

الاسم: Ali Omar Muhammad Hussain

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وكلّ عام وأنتم بخير.

أشكرك على تواصلك مع الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه لك بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

إنّ زيارة النساء للقبور مستحبة شرعًا لإنّها تعين على لين القلوب وتَذَكُّرِ الدار الآخرة إذا خلت من منكرات الأفعال كالتبرج، وشقّ الثياب، ورفع الصوت بالبكاء.

قال حضرة الحبيب صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه أجمعين:-

(كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا، وأوله في صحيح الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

وهو عام في الرجال والنساء، ويعظم الاستحباب عند زيارة الوالدين والأرحام برًّا بهم فإنّه لا ينقطع بالموت.

التفصيل:-

إنَّ زيارة النساء للقبور ممّا تعدّدت فيه آراء العلماء رحمهم الله عزّ وجلّ، فاستحبّها الجمهور، وكرهها بعضهم لما ورد عن حضرة الحبيب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أنّه قال:-

(لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ) الإمام الترمذي رحمه الله تبارك اسمه.

واشترط الجمهور رضي الله سبحانه عنهم وعنكم خلوّها من المنهيات، وهذا مذهب السادة الحنفية والمالكية، ورواية عند السادة الشافعية والحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وهو الراجح لأدلّة منها:-

أوّلا: قال الله جلّ في علاه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [سورة الممتحنة: 13].

ففي هذه الآية الكريمة بيّن الحقّ عزّ شأنه أنّ الكافر يئس من أصحاب القبور وهذا يدلّ من خلال المفهوم المخالف أنّ المؤمن لا ييأس منهم، إذ هو يأنس بزيارتهم، ويرجو أنْ يجمعه الله تعالى بهم في مستقرّ رحمته، ويأخذ من زيارته العبرة والعظة.

 

ثانيا: قال الباري جلّ جلاله:-

{نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ} [سورة الواقعة: 60-62].

وفي هذه دعوة للتفكر في الموت وما يليه من الأهوال وأنّه آية من آيات الحق عزّ ذكره، وفيها حث على أخذ التذكرة من هذه الأحوال والاستعداد ليوم الرجف والزلزال.

 

ثالثا: قال عزّ من قائل:-

{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [سورة الملك: 1 – 2].

وهنا بيانٌ لصورة من مظاهر القدرة الإلهية، وأنّ المؤمن يأخذ من الموت والحياة العبر والعظات التي تعينه على تحسين عمله الصالح.

قال الشيخ الإمام القشيري رحمه الرحيم عزّ شأنه في بيان الآية:-

(خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ، ابْتِلَاءً لِلْخَلْقِ، يَخْتَبِرُهُمْ لِيُظْهِرَ لَهُ شُكْرَانَهُمْ وَكُفْرَانَهُمْ، كَيْفَ يَكُوْنُوْنَ عِنْدَ المِحْنَةِ فِي الصَّبْرِ وَعِنْدَ النِّعْمَةِ فِي الشُّكْرِ- وَهُوَ العَزِيْزُ الغَفُوْرُ) لطائف الإشارات (3/610).

وهذه الآيات الكريمات ومثيلاتها عامّة في المؤمنين ذكورا وإناثا، فكلّهم محتاجون إلى أخذ العبرة والتذكرة وإصلاح العمل.

قال عزّ وجلّ:-

{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} [سورة الأعلى: 8 – 11].

رابعا: قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-

(نَهَيْتُكُم عَنْ زِيَارَة القُبُوْرِ، فزُورُوها، فإنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.

قال الإمام الحافظ ابن عبد البر المالكي رحمه الله تعالى في تعليقه على هذا الحديث الشريف:-

(إِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ [زِيَارَةِ القُبُوْرِ] عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ إِبَاحَةُ عُمُومٍ كَمَا كَانَ النَّهْيُ عَنْ زِيَارَتِهَا نَهْيُ عُمُومٍ ثُمَّ وَرَدَ النَّسْخُ بِالْإِبَاحَةِ عَلَى الْعُمُومِ فَجَائِزٌ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً) كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (3/230).

فظهر أنَّ هذا النصّ الكريم ناسخ لحديث النهي عن زيارة القبور للنساء المتقدّم ذكره، ودليل النسخ ما ثبت عن سيّدنا الحسين بن علي، عن أمّه السيّدة فاطمة رضي الله تعالى عنهم، أنّها كانت:-

(تَزُورُ قَبْرَ عَمِّهَا حَمْزَةَ كُلَّ جُمُعَةٍ فَتُصَلِّي وَتَبْكِي عِنْدَهُ) الإمام الحاكم رحمه الله جلّ جلاله.

فقوله (كُلَّ جُمُعَةٍ) مفيد لتكرار الزيارة والمداومة عليها.

وقوله (فَتُصَلِّي) أي تَدْعُو.

وأيضًا:- ورد عن أمّ المؤمنين السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وهي من العالمات بحديث سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، فعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:-

(أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْمَقَابِرِ فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ قَدْ نَهَى، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا) الإمام الحاكم رحمه الله جلّ وعلا.

فصرّحت رضي الله تعالى عنها أنّ النهي قد جاء بعده أَمْرٌ بالزيارة، وكان هذا بعد انتقال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم إلى الرفيق الأعلى، فلو كانت زيارة النساء للمقابر محرّمة لما فعلته ابنته الزهراء وأمّ المؤمنين وغيرهما رضي الله تعالى عنهنّ مع علمهنّ وورعهنّ.

 

وعن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال:-

(مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) متفق عليه.

ففي هذه النصوص الشريفة بيانٌ أنّ الصحابيات رضي الله تعالى عنهنّ كنَّ يزرنَ القبور ولم ينههن حضرة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين عن الزيارة بل نهى عن إظهار الجزع وارتفاع الصوت بالبكاء.

فثبت بهذا أنّ زيارتهنّ للقبور واقعة مِنَ الكُمَّلِ منهنّ في حياته عليه أزكى الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وبعد انتقاله للرفيق الأعلى كما سبق عن السيّدة فاطمة والسيّدة عائشة رضي الله تعالى عنهما.

ومن هذه النصوص المباركة فَهِمَ الفقهاء رضي الله جلّ جلاله عنهم وعنكم جواز زيارة النساء للمقابر.

قال الإمام نظام الدين البلخي رحمه الحق تبارك اسمه:-

(لَا بَأْسَ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَظَاهِرُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَقْتَضِي الْجَوَازَ لِلنِّسَاءِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الرِّجَالَ.

وَفِي الْأَشْرِبَةِ (وَهُوَ كِتَابٌ لِلْفَتْوَى):-

اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا) الفتاوى الهندية (5/350).

وقال الإمام محمد ابن رشد القرطبي المالكي:-

(أَجَازَ الإِمَامُ مَالِك رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اتِّبَاعَ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ، وَخُرُوْجَهُنَّ فِيْهَا؛ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِالعَمَلِ المَاضِي؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ العُدُوْل، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُسْتَنْكَرُ فَيمْنَع، … وَقَدْ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ شَهِدَ جنَازَةً حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيْرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيْرَاطَانِ) فَدَخَلَ فِي عُمُوْمِ ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَمَا رُوِيَ مِنْ (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُوْرِ) مَعْنَاهُ – عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ – أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخّصَ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا رَخَّصَ فِيْهِ، دَخَلَ فِي الرُّخْصَةِ النَّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ) البيان والتحصيل (2/221 – 222).

وقال محمد بن الحسن بن هارون رحمه الله عزّ وجلّ:-

(وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ] عَنِ المَرْأَةِ تَزُوْرُ القَبْرَ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُوْنَ بِهِ بَأْسٌ) كتاب الروايتين والوجهين (1/212).

وينبغي لمَنْ عزمت على زيارة القبور أنْ تنوي التذكّر وطلب الأجر، وتجتنب ما نهى الشرع الشريف عنه من التبرّج، والعويل، ولطم الخدود، فإنّها من عمل أهل الجاهلية، فقد قال عليه أزكى صلاة وتحية وسلام وعلى آله وصحبه الأعلام:-

(لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ) متفق عليه.

قال الإمام الطحطاوي الحنفي رحمه الله تعالى:-

(وَفِي السِّرَاجِ: وَأَمَّا النِّسَاءُ إِذَا أَرَدْنَ زِيَارَةَ القُبُوْرِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَجْدِيْدِ الحُزْنِ وَالبُكَاءِ وَالنَّدْبِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُنَّ، فَلَا تَجُوْزُ لَهُنَّ الزِّيَارَةُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الحَدِيْثُ الصَّحِيْحُ (لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ القُبُوْرِ)، وَإنْ كَانَ لِلاعْتِبَارِ وَالتَّرَحُّمِ وَالتَّبَرُّكِ بِزِيَارَةِ قُبُوْرِ الصَّالِحِيْنَ مِنْ غَيْرِ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كُنَّ عَجَائِزَ وَكُرِهَ ذَلِكَ لْلشَّابَّاتِ كَحُضُوْرِهِنَّ فِي المَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَاتِ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَحَلَّ التَّرَخُّصِ لَهُنَّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَارَةُ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ فِيْهِ فِتْنَةٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ ثَابِتَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِأَنَّ السَّيِّدَةَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا كَانَتْ تَزُوْرُ قَبْرَ حَمْزَةَ كُلَّ جُمُعَةٍ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَزُوْرُ قَبْرَ أَخِيْهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِمَكَّةَ) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 620).

وأمّا زيارة الوالدين والأقارب فهي أشدّ استحبابا لما ثبت عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال:-

(زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُوْرَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُوْرُوْا القُبُوْرَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

فالتي لم تزر والدتها إنْ كانت تعلم أنّها لا تتمالك نفسها عن الوقوع فيما حرّم الله جلّ في علاه مِنَ الصراخ والنحيب، فلا بأس، ولكن عليها أنْ لا تنسها من صالح دعائها والصدقات وأعمال البرّ.

أمَّا إنْ كانت تعلم أنّها تتمالك نفسها مع تيسّر الزيارة فقد قصّرت في حقّ أمّها فعليها أنْ تبادر لزيارتها فإنّه من صلة ما أمر الله جلّ وعلا به أنْ يوصل.

قال عزّ مِن قائل:-

{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [سورة الرعد: 21 – 22].

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة خاتم النبيين، وأكرم الواصلين، وإمام الصابرين، سيّدنا محمّد، وعلى آله الطيبين، وصحابته الأكرمين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.