29/8/2022
نص السؤال:
السلام عليكم شيخي بارك الله جلّ وعلا في عمرك ووفقك إلى ما تطيب به نفسك ومكّنك إلى ما تسعى إليه أحسن تمكين إنّه عزّ وجلّ وليّ ذلك والقادر عليه.
السؤال:-
هل يمكن قياس الدروس الأون لاين لأغراض تعلّم العلوم الشرعية على حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُرِيدُ إِلّا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ)؟
وجزاكم الله عزّ وجلّ عنّا الخير كلّه.
الاسم: محمد أسو حسام الدين
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة وأسأل الله جلّ في علاه لك بمثلها وزيادة.
إنّ سلوك أيّ طريق من طُرُقِ طلب العلم إنِ ابتُغِيَ به وجهُ الله جلّ وعلا سبب عظيم من أسباب النجاة من الجحيم ودخول جنّة النعيم.
قال حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
وكلمة (طريقا) نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم فتعمّ أيّ وسيلة صحيحة من وسائل التعلّم سواء كان التعلّم عن قرب في المسجد أو في غيره أو عن بُعْد.
ولكن هذا لا يعني أنّ الأجر والمثوبة في جميع الوسائل واحد بل لكلّ وسيلة أجرها وخصوصيتها.
فالتعلّم عن بُعْدٍ ليس كالتعلّم عن قُرْب، وإن كان في المسجد فهو أفضل من غيره، وهو في مسجد سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، ليس كما في غيره من المساجد.
قال جلّ ذكره:-
{وَاللَّهُ يَختَصُّ بِرَحمَتِهِ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ} [سورة البقرة: 105].
إنّ الحق جلّ جلاله قد حثّ على التعلّم والازدياد منه فقال عزّ من قائل:-
{— وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلمًا} [سورة طه: ١١٤].
وقد أمر الشرع الشريف مَنْ سعى في طلب العلم أنْ يخلص لله تعالى ويحذر كلّ الحذر أنْ يكون طلبه ابتغاء دنيا أو مناصب.
قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام:-
(مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَعْنِي رِيحَهَا) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.
ولطلب العلم باعتبار المكان الذي يتعلّم فيه مراتب ومثوبات تفهم من نصوص الشرع الشريف ومنها:-
أولا: طلب العلم في مسجد حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه الذي قامت فيه أسس المعارف وانبثقت عنه العلوم.
قال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا، لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ) الإمام ابن ماجه رحمه الحق عزّ شأنه.
فقوله (في مسجدي هذا) تقييد بالمسجد النبوي الشريف دون سائر المساجد.
ثانيا: طلب العلم في المساجد عموما:-
فقد ورد فيه ما أوردتم في سؤالكم الكريم وهو قوله عليه أزكى تحية وسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
وعن سيّدنا عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال:-
(خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
فقوله (إلى المسجد) فيه إشعار أنّ هذه الخصوصية والثواب مقتصر على الكون في المسجد دون غيره من الأماكن.
فإنّها البيوت المعظمة التي أذن الحق عزّ وجلّ برفعها وتعظيمهما فقال:-
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة النور: 36- 38].
فلطلب العلم في المساجد بركة ونور لا تعدلها الدراسة في أرقى المدارس والجامعات، وما تخرج جُلُّ الأئمة في شتّى العلوم في حضارتنا الإسلامية إلّا من المساجد العامرة بذكر الله تعالى وشكره.
ثالثا: طلب العلم عن قرب:-
وهذا يلي سابقه في الفضل ويفهم الحثّ عليه من روح كثير من النصوص الشرعية منها:-
1- ما ورد في الكتاب العزيز من قصّة سيّدنا موسى وسيّدنا الخضر عليهما السلام وتحمل سيّدنا موسى عليه السلام السفر والمشقة للتعلّم.
قال الله جلّ جلاله:-
{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [سورة الكهف: 66].
2- ما ورد في السنّة المباركة من مجيء سيّدنا جبريل عليه السلام إلى حضرة سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم معلّما الأمّة سُبُلَ طلب العلم وآدابه.
عن سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال:-
(بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ في علاه.
ففي هذا الحديث الشريف الحرص على القرب من الشيخ والأخذ عنه مباشرة دون واسطة.
3- ما روي عن التابعي الجليل كثيرِ بن قيس رحمه الله تعالى، قال:-
(كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ: إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي، أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ، قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ ذكره.
فانظر يا رعاك الله جلّ في علاه كيف كان حرصُ سلفنا الصالح على العلم النافع حتى إنَّ أحدهم يقطع المسافات مع صعوبة وسائل النقل لأجل أنْ يستفيد حديثا واحدا، وتأمّل بعد ذلك فيما أعدّه الحقّ جلّ شأنه لهؤلاء من الأجور والمنازل الرفيعة.
رابعا: طلب العلم عن بُعْدٍ:-
وهذا يدخل في عموم الحديث الشريف:-
(مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ —) الإمام أبو داود رحمه الله عزّ وجلّ.
ولكن ينبغي أنْ لا يكون هذا دأبَ طالب العلم بأنْ تكون دروسه كلّها عن بُعْدٍ في غير ضرورة لأنّها في كثير من الأحيان لا تصل إلى الأهداف المرجوة.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على معلّم الخير وإمام الصابرين، سيّدنا محمّد، وعلى آله الطيّبين، وصحابته الأكرمين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.