31/8/2022

نص السؤال:

السلام عليكم

سؤالي: إذا كان لمسلم جار سيّء فما هو أفضل دعاء لكفّ شرّه؟

                                

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:ـ

ينبغي للمسلم أنْ يُحسن لجاره، ويصبر على أذاه ففي ذلك أجر كبير، وأدب رفيع قد يكون سببًا لصلاح الجار وعودته لرشده، مع ملازمة قوله عزّ من قائل:-

{حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [سورة التوبة: 129].

التفصيل:ـ

لقد أكّدت هدايات الشرع الشريف على ضرورة العناية بالجار ومعرفة حقوقه، والإحسان إليه.

قال الله عزّ وجلّ:ـ

{وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [سورة النساء: 36].

ولقد أوصى سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بالجار في أحاديث شريفة كثيرة منها:ـ

1- (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ) متفق عليه.

2- (مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) متفق عليه.

3- (واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَنْ يا رسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذي لا يأْمنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

4- (لا يَدْخُلُ الجنَّة مَنْ لا يأْمَنُ جارُهُ بوَائِقَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

5- (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ) متفق عَلَيهِ.

فهذه النصوص الشريفة ومثيلاتها تتعلّق بعظم حقِّ الجار، وأنّ الواجب معه الإحسانُ إليه، وكفُّ الأذى عنه، بل وتحمّله منه.

وقول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(واللَّهِ لا يُؤْمِنُ — الَّذي لا يأْمنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ)

وعيدٌ شديد، ومعنى بوائقه: غُشمه وظُلمه وما يصدر منه من الغدرات والإساءة والأذى، ومع هذا فلقد كان النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم الأسوة الحسنة في الصبر على إساءة الجار وإنْ لم يكن مسلما، والإحسان إليهم، وتفقّد مريضهم، فكان ذلك سببًا لتوبتهم وهدايتهم.

عَنِ سَيِّدِنَا بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-

(كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نَعُودُ جَارَنَا الْيَهُودِيَّ. قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا فُلَانُ؟ فَسَأَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا فُلَانُ، اشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. فَنَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، فَسَكَتَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، اشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: اشْهَدْ لَهُ يَا بُنَيَّ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنَ النَّارِ) الإمام ابن السُّنِّي رحمه الله عزّ وجلّ في عمل اليوم والليلة.

ولا يخفى كيف كانت معاداة اليهود لحضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، ومحاربتهم لدعوته وأصحابه، وكم كان حجم وألوان الأذى الذي تلقّاه حضرته منهم على نحو خاص، ومع كلّ ذلك كان بأبي وأمّي ونفسي هو صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم يضرب أروع الأمثلة في الخلق العظيم والتوجيه السديد الذي يحافظ على أمن المجتمع وسلامة أفراده وتقوية الروابط بين أهله، فيقول:ـ

(الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ، فَجَارٌ لَهُ حَقٌّ، وَهُوَ أَدْنَى الْجِيرَانِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَجَارٌ مُشْرِكٌ، لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ، فَجَارٌ مُسْلِمٌ، لَهُ حَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلَاثُ حُقُوقٍ فَالْجَارُ ذُو الرَّحِمِ، لَهُ حَقُّ الرَّحِمِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَدْنَى حَقِّ الْجِوَارِ أَنْ لَا تُؤْذِ جَارَكَ بِقِتَارِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ في علاه.

والقتار: الدخان ذو الرائحة الذي ينبعث من الطبيخ أو الشواء.

وهذا أنموذج من الأدب الرفيع الذي تحلت به الأخلاق الإسلامية في مراعاة مشاعر الجار والإحسان إليه.

وهناك صور أخرى مشرقة تجعل من هدايات شريعتنا المباركة في التعامل مع الجار قمّة سامقة في سمو الأخلاق ورقة الإحساس الإنساني النبيل.

وقد هَدَت الشريعة الغرّاء إلى وسائل عديدة لدفع الضرر الآتي من الجار منها:-

ما رواه سيّدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وعنكم إذ قال:ـ

(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ، وَفَعَلَ، وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ) الإمام أبو داود رحمه الله المعبود سبحانه.

فهذا أصل في الصبر وسعة الصدر، ثمّ بعد ذلك الرجوع إلى المجتمع، وكلٌّ بحسب عُرفه وزمانه، وفي وقتنا الحاضر يمكن اللجوء إلى أهل الفضل والمكانة في المجتمع الذي يعيش فيه مثل إمام جامع الحيّ، أو مختار المنطقة، أو بمَنْ يظنّ أنّ له تأثيرا عليه ليتمّ نصحه ودفع ضرّه.

كما وأنصح جنابك الكريم بأنْ تُحسن لجارك بزيارته في مناسبة ما، وتقديم الهدية له، فقد صحّ عن صاحب الخلق العظيم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين قوله:ـ

(تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ نِصْفَ فِرْسِنِ شَاةٍ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.

الفرسن: حافر الشاة.

وسبحان الله العظيم كيف جاء ذكر الجار في حديث الهدية لبيان أثرها في زرع المحبة وذهاب الحقد والبغضاء والحسد بين الجيران، ولمزيد تأكيد على هذا الأمر إذ أنّ المحبة والألفة بين الناس عمومًا والجيران خصوصًا سبب عظيم من أسباب السعادة والأمان.

فإنْ لم تنفع معه الوسائل المذكورة أعلاه فيمكن لجنابك اللجوء إلى الجهات الحكومية المعنيّة بهذا الأمر، فإنّما شُرّع القضاء لحلّ المنازعات والخصومات بين الناس، وإنّ من المؤسف والمعيب أنْ لا يستطيع المسلم العاقل أنْ يخرج من خلاف مع أخيه إلّا باللجوء إلى الشرطة والمحاكم، فما في قلب المسلم من خير ونور وإيمان يكفي لحلّ النزاع وترك الخلاف والشقاق مهتديا بالنصوص الشريفة للشريعة المنيفة ومنها قول الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أهل الطيب:ـ

(لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

أمّا الدعاء فأوصي جنابك بما جاء في السُنّة المباركة من أدعية لدفع الضرّ والأذى منها:-

ما روي عَنِ سيّدنا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:ـ

(كَانَ آخِرُ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَقَالَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهَا {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}) الإمام الحاكم رحمه الله سبحانه.

وعَنْ سيّدنا أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:ـ

(مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى، حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ، كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ صَادِقًا كَانَ بِهَا أَوْ كَاذِبًا) الإمام أبو داود رحمه الله جل جلاله.

وفّقك الله جلّ وعلا لمراضيه، وأصلح حال المسلمين جميعا بالتمسّك بهدايات شرعنا الحنيف الداعي لكلّ فضيلة وخُلُقٍ حَسَنٍ مُنيف.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على خير معلّم سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.