4/9/2022
نص السؤال:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
السلام عليكم شيخ، سؤالي قريب من موضوع المواريث وهو: قبل ثلاثين سنة بالضبط قام جدي (والد والدتي) بكتابة منزل العائلة لوالدتي (ابنته تغريد)، الأسباب هي أنّه لا يحق له كتابة البيت باسمه ولا باسم زوجته لأنّ الدولة كانت على وشك إعطائه منزلا (فقد كان يعمل في مصنع، ولكلّ عامل في ذلك المصنع له بيت حكومي)، أمّا أخوة أمّي وأخواتها فقد كانوا قُصَّرًا (تحت السنّ القانوني)، لذا كان البيت باسم أمّي ولا يزال، وقد كانت وصيّة جدي لأمّي دائما هي (هذا البيت للجميع لا تعطيه لأحد دون غيره، هذا بيت ورثة)، توفي جدّي منذ زمن رحمه الله، وتوفي بعض أخوالي، والآن البيت يؤوي جدّتي وبيت خالي، أمي تريد التخلص من الأمانة فهي تستثقلها، فسؤالي هو:-
هل يصح أنْ تهبه لوالدتها لتنقل الأمانة لها شرعا، مع العلم أنّ خالاتي السبع لا يردن أنْ تنتقل أمانة البيت لأحد وإنّما يبقى عند أمي (تغريد)، وغايتهن أنْ يبقى بيت الأب عامرًا فلعلّ الزمن يجعلهن بحاجة للرجوع إليه يؤويهن ويؤمنهن (هنّ جميعا متزوجات حاليا)، ويخفن إنْ تمّ نقل الأمانة لجدّتي أنْ يضغط عليها أحد أولادها فتبيعه ويتفرق.
عذرا للإطالة لكن وجب ذلك لبيان جميع حيثيات القضية، وشكرا لسعة صدركم.
الاسم: هالة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لكِ ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم إنّه سبحانه سميع مجيب.
لا يجوز التصرّف بهذا البيت بشكل شخصي بل يجب تقييمه أو بيعه وتقسيم ذلك على الورثة.
لقد تكفّل الله جلّ في علاه قسمة المواريث في كتابه الكريم وفصّلت آياته البيّنات الكثير من أحكام هذا الباب لا سيما في بداية سورة النساء، وآخر آية منها، وهذا يدلّ دلالة واضحة على اهتمام الشرع الشريف بهذا الجانب من حياة المسلمين إذ يتعلّق بالأموال والحقوق، وقد ختم الله عزّ شأنه تلك الآيات بقوله:-
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [سورة النساء: 13 – 14].
وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.
لذا لا يجوز تأخير قسمة المواريث بعد موت المورّث، وهذا ما بيّنته في المحاضرة الموسومة:-
الموجودة في الموقع الكريم وصفحة اليوتيوب، فأرجو الاستماع إليها.
فكان الواجب تقسيم الإرث بعد موت جدّكِ رحمه الله تعالى ويأخذ كلّ وارث حصّته ليستثمرها فيما يصلحه.
وهذا ما أوصي به الآن ليستدركوا ما فاتهم من تقصير وإعطاء حصّة أخوالكِ الذين ماتوا رحمهم الله تعالى إلى ورثتهم على وفق ما شرّع الله جلّ وعلا.
ولا يجوز لوالدتكِ أو غيرها الاستئثار بالبيت دون سواها من الورثة بحجّة أنْ يبقى عامرًا لخالاتكِ إذا احتجنَ إليه، فإنّ عَمَارَ البيت وغيره إنّما يكون بتطبيق شرع الله جلّ جلاله، وبمخالفته يكون الخراب.
قال الكريم الوهاب سبحانه:-
{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 83].
ولا يصحّ أيضًا تصرّف والدتكِ في هبة هذا البيت لوالدتها (جدّتكِ) أو غيرها لأنّها لا تملكه، بل هي واحدة من الورثة، والأمانة تقتضي الإسراع بتقسيم هذا الإرث بحسب الأنصبة التي حدّدها الشرع الشريف لكلّ وارث.
كما إنّ استئثار والدتكِ بالبيت فيه مخالفات شرعية كثيرة وخطيرة، منها:-
1- تعتبر الأرض التي أقيم عليها البيت مغصوبة، وقد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
2- قد يكون أحد الورثة محتاجا لحصّته لكنّه لم يُطالب بها حياء لأنّه رأى غيره من الورثة سكتوا، وهذا ما حذّر منه حضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين إذ قال:-
(إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ ذكره.
ولهذا قال بعض أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(المَأْخُوْذُ حَيَاءً كَالمَأْخُوْذِ غَصْبًا)
وقالوا أيضًا:-
(مَا أُخِذَ بِسَيْفِ الحَيَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ)
3- إنّ تأخير قسمة الميراث يعدّ أكلا للمال بالباطل، والله عزّ وجلّ يقول:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ —} [سورة النساء: 29].
وقال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا فَرَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ قَطَعَ اللهُ بِهِ مِيرَاثًا مِنَ الْجَنَّةِ) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.
وإنّي لأرجو لوالدتكِ أنْ ترقى إلى حال تلك المرأة التي ذكرها الإمام ابن الجوزي رحمه الله جلّ في علاه إذ قال:-
(إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الصَّالِحَاتِ أَتَاهَا نَعْيُ زَوْجِهَا وَهِيَ تَعْجِنُ، فَرَفَعْتَ يَدَهَا مِنَ العَجِيْنِ وَقَالَتْ: هَذَا طَعَامٌ قَدْ صَارَ لَنَا فِيْهِ شُرَكَاءُ) صفة الصفوة (2/532).
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.