18/9/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا العزيز يحفظكم الله.
قال سبحانه وتعالى (وعلى الذي يطيقونه فدية طعام مسكين…) إلى آخر الآية فجعل سبحانه سماحا وعذرا شرعيا للإفطار.
السؤال عن صلاة الجمعة الواجبة شرعا:
إذا كبر المسلم وثقلت خطاه للمشي أو الركوب إلى المسجد، وطالت عليه خطبة الجمعة ومراسيمها، فهل هنالك عذر شرعي لعدم ورود صلاة الجمعة؟
نورنا جزاك الله ألف خير وزاد في علمك وعافيتك
الاسم: د. أحمد عبد القادر الغريري
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
يجوز له عدم الحضور لصلاة الجمعة لأنّه معذور ويصلّي الظهر أربعا.
لقد بيّن الله جلّ في علاه منزلة شعيرة صلاة الجمعة في كثير من النصوص الشريفة منها قوله عزّ من قائل:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الجمعة: 9].
وقول حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وتوعّد من يتخلّف عنها بغير عذر بقوله:-
(لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وقال أيضا:-
(مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.
لكنّ هذا لمَنْ لم يكن معذورًا، فإنْ كان له عذر شرعيّ حُقَّ له أنْ يتخلّف عن أداء هذه الصلاة العظيمة ويصلّي بدلا عنها الظهر أربع ركعات.
وقد ذكر الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم شروط صحتها والأعذار التي يجوز تركها بها.
قال الإمام الطحطاوي الحنفي رحمه الله جلّ وعلا:-
(وَالرَّابِعُ: الصِّحَّةُ، خَرَجَ بِهِ المَرِيْضُ، أَي الّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الذِّهَابِ إِلَى الجَامِعِ أَوْ يَقْدِرُ وَلَكِنْ يَخَافُ زِيَادَةَ مَرَضِهِ أَوْ بُطْءَ بُرْئِهِ بِسَبِبٍ جَلِيّ، وَالشَّيْخُ الكَبِيْرُ الّذِي يُلْحَقُ بِالمَرِيْضِ لِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ ثناؤه.
فَعَدَّ مِنْهُم المَرِيْضَ) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ص: 505 بتصرّف.
وقال الإمام ابن عابدين رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَأَلْحَقَ بِالْمَرِيضِ الْمُمَرِّضَ وَالشَّيْخَ الْفَانِيَّ) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (2/ 153).
وقال الإمام محمد بن يوسف العبدري المالكيّ رحمه الله جلّ في علاه:-
(مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهَا، أَوْ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ اللُّبْثُ مَعَهَا فِي الْجَامِعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْجُمُعَةُ، أَوْ كَانَ مُقْعَدًا، وَلَا يَجِدُ مَرْكُوبًا، أَوْ أَعْمَى وَلَا يَجِدُ قَائِدًا وَلَا يَهْتَدِي لِلْوُصُولِ بِانْفِرَادِهِ) التاج والإكليل لمختصر خليل (2/556).
وقال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى في باب إيجاب الجمعة:-
(وَالْعُذْرُ: الْمَرَضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى شُهُودِ الْجُمُعَةِ إلَّا بِأَنْ يَزِيدَ فِي مَرَضِهِ، أَوْ يَبْلُغَ بِهِ مَشَقَّةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ) الأم (1/218).
وقال الإمام البهوتي الحنبليّ رحمه الله جلّ جلاله:-
(وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مَرِيضٌ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرِضَ تَخَلَّفَ عَنْ الْمَسْجِدِ وَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُعْذَرُ فِي ذَلِكَ خَائِفُ حُدُوثِهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ الْعُذْرَ بِالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ.
أَوْ خَائِفُ زِيَادَتِهِ أَيْ الْمَرَضِ أَوْ تَبَاطُئِهِ؛ لِأَنَّهُ مَرِيضٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَرِيضُ بِإِتْيَانِهِ أَيْ الْمَسْجِدِ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِهِ، أَيْ بِأَنْ يُرْكِبَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ، أَوْ يَقُودَ أَعْمَى لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا دُونَ الْجَمَاعَةِ) كشاف القناع عن متن الإقناع (1/495).
وبناء على ذلك يجوز للشيخ الكبير الذي يشقّ عليه الذهاب إلى المسجد لحضور صلاة الجمعة والاستماع إلى خطبتها أنْ يصلّي في بيته صلاة الظهر أربع ركعات، ويحمد الله جلّ وعلا إذ جعل له مخرجا ويسّر عليه الأحكام.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.