3/10/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله سيّدي حضرة الشيخ، نفع الله تعالى بحضرتكم البلاد والعباد، وحقّق ما ترجون من الخير والبركات.
السؤال: سيّدي حدث إشكال بين طرفين، الأول يدّعي أنّه أُعتُدِيَ عليه ولا يملك دليلاً سوى شهادة نفسه، ومستعدٌ لليمين، والثاني يُنكر ويقول: أنا لم أعتدِ عليه، ومستعدٌ لليمين أيضًا، فكيف بهذه الحالة إظهار الحق لصاحبه؟
الاسم: محمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
الصلح خير، والأخوّة قيمة نبيلة هي أعظم من الدنيا وما فيها، أمّا الخصومات فتُحلّ وفق قاعدة:-
وينبغي التسليم لذلك حلًّا للنّزاع، ومَنْ كان ظالمًا يتحمَل تَبِعَات ظلمه في الدنيا والآخرة، ومَنْ كان مظلومًا فله درجته ومقامه إذا صبر.
قال الحقّ جلّ جلاله:ـ
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [سورة الحجرات: 10].
هذا هو الأصل والمنطلق الذي ينبغي أنْ نبدأ به، فالصلح خير، والأخوة نعمة عظيمة لا تُقوم لها الدنيا بأسرها، فإذا تعذّر التفاهم والصلح ينبغي الرجوع إلى أهل الفضل والاختصاص لحلّ النزاع، فإنْ لم يكن ذلك ممكنًا أيضًا لتعنّت الطرفين أو أحدهما فيُلجأ إلى القضاء، فما شُرع الأخير إلّا لفكّ الخصومة بين الناس.
وفي القضاء ينبغي لمدعي الحقّ أنْ يدعم ادّعاءه بدليل معتبر أو بشاهدين، يُقابله اليمين على مَنْ أنكر ذلك الحقّ، كما جاء في رسالة سيّدنا عمر لسيّدنا أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما:ـ
(الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ) الإمام الدار قطني رحمه الله تبارك اسمه.
وهذا مبنيٌّ على نصوص كثيرة من الكتاب العزيز والسنّة النبويّة الشريفة، منها قوله عزّ وجلّ:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [سورة الحجرات: 6].
وقوله جلّ ثناؤه:-
{— وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [سورة الطلاق: 2].
وقوله سبحانه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة المائدة: 106 – 108].
وعن سيّدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:ـ
(قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ —} إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قُلْنَا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ، فَقُلْتُ: إِذًا يَحْلِفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقوله (يَمِيْن صَبْر) أَيْ يَمِيْنًا أُلْزِمَ بِهَا وَحُبِسَ بِسَبِبِهَا.
وهذا هو المخرج حين يُقْسِمُ منكرُ الحقّ ويَنْعَدِمُ الدليل فيتحملُّ كلُّ طرفٍ تَبعَةَ تصرّفِهِ.
وأنصح جنابك الكريم وكلَّ مَنْ يُبتلى بمثل ما ابتُلِيْتَ به بمراجعة نفسه قليلا، فالمرء قد ينسى أو يغفل عن بعض الأمر، وله أنْ يسأل أهل الخبرة والفضل في شأنه.
كما له أنْ يُحاور خصمه بالحسنى واللّين ويُذكّره بالله جلّ في علاه عسى أنْ يتذكّر ويثوب إلى رشده، فإنْ تعذّر كلّ ذلك فالرضا والصبر من معالي وعزائم الأمور، وما أعظم هدايات قوله عزّ من قائل:ـ
{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} [سورة الشورى: 41 ـ 44].
وفقكم الله جلّ وعلا وأصلح بالكم وشأنكم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.