5/10/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أطال الله بقائكم بطاعته وجعلكم من عباده القليل ورزقنا صحبتكم شيخي وسيّدي

أرجو أنْ تتفضلّوا عليّ بجواب عن سؤالي:-

هل يجوز للإمام أنْ يؤمّ النّاس ثمّ يؤمّ آخرين بصلاة فرض أي (يكون إمامًا مرّتين في فريضة واحدة)؟

 

الاسم: محمد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكر تواصلك مع الموقع الميمون، ودعواتك الطيّبة، وأسأله سبحانه لك بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

يجوز للإمام أنْ يؤم جماعتين للفرض نفسه خاصّة إذا لم يوجد مَنْ يؤمّهم سواه، وذلك حرصًا على نيل فضيلة الجماعة لمَنْ لم يُدركها، والأفضل له أنْ يَنْوِيَ نافلة أو فائتة.

التفصيل:-

إذا صلّى الإمام بالنّاس سقط عنه وعن المأمومين ذلك الفرض، فإذا جاءت جماعة أخرى لم تدرك الأولى، وليس فيهم مؤهّلٌ للإمامة جاز له أنْ يتقدّم.

فعن سيّدنا جابرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه، قال:-

(إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وفي رواية أخرى:-

(إِنَّ مُعَاذًا يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيهَا لَهُمْ، هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ، وَهِيَ لَهُمْ مَكْتُوبَةٌ الْعِشَاءُ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ شأنه.

والأفضل أنْ لا يُعِيدَ الفرضَ نفسَهُ بل يصلّي بهم نافلة أو قضاء لأنّ اختلاف النيّة بين الإمام والمأموم أداءً وقضاءً، أو مَنْ يصلّي فرضًا خلف مَنْ يؤدّي فرضًا آخر لا يؤثر في صحّة الصلاة عند السادة الشافعية ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

قال الإمام النووي رحمه الله عزّ شأنه:-

(اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِيمَا يَأْتِيَانِ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الْمُؤَدِّي بِالْقَاضِي وَعَكْسُهُ، وَالْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ وَعَكْسُهُ) روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/366).

وهو مذهب الجمهور، قال الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله جلّ في علاه:-

(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرَيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِجَوَازِ أَنْ يَقْتَدِيَ فِي الْفَرِيضَةِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فَإِنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنْ قَالُوا إِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَأْتَمَّ بِهِ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِ أَمَّا النِّيَّةُ فَمُغَيَّبَةٌ عَنَّا وَمَا غَابَ عَنَّا فإنا لَمْ نُكَلَّفْهُ) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (24/368).

أمّا السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين فإنّهم لا يجيزون أنْ يصلّي المفترض خلف المتنفّل، ولا مَنْ يصلّي فرضًا خلف مَنْ يصلّي فرضًا آخر، عملا بما تقرّر عندهم:-

(لَا يُبْنَى القَوِيُّ عَلَى الضَّعِيْفِ)

لكنّهم يجيزون صلاة المتنفّل خلف المفترض.

قال الإمام ابن الهمام رحمه الله سبحانه:-

(وَلَا يُصَلِّي الْمُفْتَرِضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءٌ، وَوَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْبِنَاءُ عَلَى الْمَعْدُومِ. وَلَا مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاتِّحَادِ — وَيُصَلِّي الْمُتَنَفِّلُ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي حَقِّهِ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَيَتَحَقَّقَ الْبِنَاءُ) فتح القدير للكمال ابن الهمام (1/371).

والذي أرجّحه:-

جواز صلاة الإمام بالمأمومين وإن اختلفت النيّة حرصًا على نيل فضيلة الجماعة.

فإذا وجد الإمام مَنْ يُحسن الإمامة في الجماعة الثانية قدّمه، وإنْ لم يجد فيصلّي بهم نافلة على أنْ لا تكون في وقت حرمة أو كراهة، أو يصلّي بهم فائتة، وهم يصلّون الفرض أداءً.

ولمعرفة أحكام الحرمة والكراهة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2364) في هذا الموقع الأغرّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.