14/10/2022
نص السؤال:
لديّ أخ توفي في أحداث داعش في الحويجة وتمّ دفنه، ولا نعرف مَنْ دفنه، فقط اتصلوا وقالوا: أخوكم قتل ودفن، وحاليًّا نريد نعمل له شهادة وفاة، فطلب القاضي منّا شخصًا شاهد عملية الدفن فبحثنا ولم نجد..
هل يجوز حلف اليمين أنا وأخي بأنّنا شاهدنا عملية الدفن؟
الاسم: سائل
الرد:-
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكر تواصلك مع الموقع المبارك، ورحم الله عز وجل أخاك وجميع موتى المسلمين، إنّه سميع مجيب.
الجواب باختصار:-
إنْ كان للضرورة كاسترجاع حقّ أو دفع مظلمة ولا يتحصل إلّا به فلا بأس عليك. ثمّ أنْ تتبع ذلك بالاستغفار والتوبة بينك وبين الله جلّ في علاه.
التفصيل:-
الكذب ذنب عظيم وخلق ذميم وصفة من صفات المنافقين.
قال ربّنا سبحانه:-
{ — وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة المجادلة: 14].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
وقد سُئِل حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ يَزْنِي الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَسْرِقُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ يَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَتْبَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}) الإمام الخرائطي رحمه الله عزّ وجلّ في مساؤئ الأخلاق.
فينبغي للمؤمن أنْ لا يتساهل في الكذب فيتعوّد عليه، والعياذ بالله جلّ في علاه، إلّا في حال الضرورة، وعندما يحصل له يقين أو يغلب على ظنّه ضياع حقوق متوقفة على هذا الحلف الكاذب، فعند ذلك لا حرج عليه، وعليه أنْ يعقب ذلك استغفارا وتوبة لله جلّ جلاله وعمّ نواله.
قال عزّ من قائل:-
{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [سورة طه: 82].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وقد ألحق الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ بها ما كان فيه ضرورة أو حاجة ماسّة، لإثبات حقوق، أو إنقاذ مسلم أو مال ونحو ذلك، فأباحوا الكذب لهذه الأمور نظرا للمصلحة الراجحة.
فقد ذكر الإمام النووي رحمه الله جلّ وعلا في كتابه رياض الصالحين باب (بيان مَا يجوز من الكذب) ما نصّه:-
(اعلَمْ أنَّ الكَذِبَ، وإنْ كَانَ أصْلُهُ مُحَرَّمًا، فَيَجُوزُ في بَعْضِ الأحْوَالِ بِشُروطٍ قَدْ أوْضَحْتُهَا في كتاب: الأَذْكَارِ، ومُخْتَصَرُ ذَلِكَ: أنَّ الكلامَ وَسيلَةٌ إِلَى المَقَاصِدِ، فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِ الكَذِبِ يَحْرُمُ الكَذِبُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ إِلاَّ بالكَذِبِ، جازَ الكَذِبُ. ثُمَّ إنْ كَانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المَقْصُودِ مُبَاحًا كَانَ الكَذِبُ مُبَاحًا، وإنْ كَانَ وَاجِبًا، كَانَ الكَذِبُ وَاجِبًا) رياض الصالحين ص433.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.