16/1/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستاذي وشيخي العزيز أسأل عنكم أينما كنتم وأرجو الله لكم الصحة والعافية الدائمتين.
إنني أعمل في مذخر للأدوية الطبيّة في العراق بصفة موظف في المذخر، كانت عملية تسديد الشركات في السنوات التي مضت بشكل مباشر إلى المندوب، أمّا الآن فقد أصبح دفع القوائم المطلوبة بشكل حوالات، لكن مكتب الصيرفة يحوّل كلّ شهر مليون دولار للمذخر لكن يأخذ زيادة عمولة 40 دولار مقابل حوالة كلّ (دفتر دولار) بالعامية العراقية، والحوالات هي داخل العراق فقط، وإلى أجل أي نتأخر في دفع المبلغ أكثر من أسبوعين، فالصيرفة تحوّل المبلغ المذكور بالدَّيْن ونحن نعطيه كلّ يوم الوارد اليومي في القاصة إلى أنْ نوفّي جميع المبلغ إلى نهاية الشهر.
فهل هذه الزيادة تعتبر ربا؟ وهل أنا مذنب كموظف إذا كان تعامل المذخر بهذا المنوال؟
أرجو الإجابة جزيتم خيرا.
الاسم: هيمن منصور
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يبارك فيك ويزيدك خيرًا.
أخذ عمولة على الحوالة تعدّدت فيه أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والراجح عندي:-
جوازه من باب المصلحة، وكذا التسهيلات التي تقدّمها المصارف ومكاتب الصيرفة.
ابتداءً لا بدّ أنْ أوضّح الآتي:-
إذا أراد شخص أنْ يحوّل مبلغًا من المال، من مدينةٍ إلى أخرى، أو من قطرٍ إلى آخر، فإنّ الشخص يدفع المبلغ إلى مصرف أو مكتب، ثمّ يتخذ المصرف أو المكتب الإجراءات اللازمة لذلك بأحد الطرق الآتية:-
* عن طريق التحويلات الخطابية.
* التحويلات الهاتفية أو البرقية.
* الشيكات المصرفية… إلخ.
ويكون عائد المصرف من ذلك ما يلي:-
1- عمولة تحويل.
2- مصاريف بريدية أو هاتفية.
3- أجرة التحويل لهذه المبالغ.
4- فرق السعر بين العملة الداخلية والعملة الأجنبية.
ودفع المال إلى جهةٍ مصرفية لتسليمها لشخصٍ معيَّن في بلدٍ آخر، أو مكان آخر يصعب الوصول إليه عن طريق فرعِها في ذلك البلد أو شركة أخرى متعاقدة معها مقابلَ أجرةٍ محدَّدةٍ معلومة هي إمّا من باب الإجارة، أو من باب التوكيل بأجر، فهم موكَّلون بنقل المال إلى ذلك البلد بأجرةٍ معلومةٍ، وما تتقاضاه الجهةُ المصرفية مِن صاحب الحوالة هي أجرةُ تلك الخدمة، وهذا ممّا أجازه بعض الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم لِمَا فيه من التيسير على الناس.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:-
(وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُهَا لِكَوْنِهَا مَصْلَحَةً لَهُمَا جَمِيعًا، وَقَال عَطَاءٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ بِهَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِل عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا: ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ، رَوَاهُ كُلَّهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْوَصِيِّ قَرْضَ مَال الْيَتِيمِ فِي بَلَدٍ أُخْرَى لِيَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، لأِنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَالشَّرْعُ لاَ يَرِدُ بِتَحْرِيمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لاَ مَضَرَّةَ فِيهَا بَل بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَلأِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَوَجَبَ إِبْقَاؤُهُ عَلَى الإْبَاحَةِ) (25/25).
كما إنّ دفع المال كاملا من المصرف أو المكتب واستلامه أقساطًا هو من التسهيلات المصرفية، وهي جائزة إذ هي من أبواب الحوالة المطلقة أو الكفالة، إذ إنّ مكتب الصيرفة يكون وسيطا بين مدين ودائن، فيدفع الدَّيْن إلى الدائن، ويُنْظِر المدين، حتّى يوفّيه دينه، وهذه هي الحوالة التي أجازها الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بالاتفاق، ودليلهم قول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والمليء: الغنيّ، وهو هنا صاحب الصيرفة أو المصرف، يأخذ منه الدائن دينه، ويأخذ المليء ماله من المدين.
والزيادة التي يدفعها المدين للمكتب ليست زيادة على المبلغ المدفوع، بل هي أجرة الحوالة المصرفية والتي قلت بجوازها.
والله جلّ جلاله أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.