20/11/2022
نص السؤال:
هل الأجل ملزم في عقد القرض؟ وإذا كان ملزمًا هل الزيادة عليه ربا؟ لأنّه يكون من باب ربا النسيئة والله تعالى أجلّ وأعلم، علمًا سيّدي الكريم أنا حنفي المذهب وعلى حدّ علمي أنّ الأجل لا يشترط في القرض، وإذا كتب في نصّ عقد القرض يلغى كما ذكره الإمام الكاساني رحمه الله في كتابه بدائع الصنائع ونصّ قوله رحمه الله تعالى كما جاء في الكتاب أعلاه:
«والأجل لا يلزم في القرض – سواء كان مشروطا في العقد أو متأخرًا عنه – بخلاف سائر الديون، والفرق من وجهين: أحدهما – أنّ القرض تبرّع.
ألا يرى أنّه لا يقابله عوض للحال.
وكذا لا يملكه مَنْ لا يملك التبرّع؛ فلو لزم فيه الأجل؛ لم يبق تبرّعا؛ فيتغيّر المشروط، بخلاف الديون -، والثاني – أنّ القرض يسلك به مسلك العارية، والأجل لا يلزم في العواري، والدليل على أنّه يسلك به مسلك العارية: أنّه لا يخلو، إما أنْ يسلك به مسلك المبادلة -، وهي تمليك الشيء بمثله – أو يسلك به مسلك العارية، لا سبيل إلى الأول؛ لأنّه تمليك العين بمثله نسيئة، وهذا لا يجوز؛ فتعيّن أنْ يكون عارية؛ فجعل التقدير كأنّ المستقرض انتفع بالعين مدّة، ثمّ ردّ عين ما قبض، وإنْ كان يرد بدله في الحقيقة، وجعل ردّ بدل العين بمنزلة ردّ العين – بخلاف سائر الديون – وقد يلزم الأجل في القرض بحال؛ بأنْ يوصي بأنْ يقرض من ماله بعد موته فلانا ألف درهم، إلى سنة، فإنّه ينفذ وصيته، ويقرض من ماله – كما أمر -، وليس لورثته أنْ يطالبوا قبل السنة، والله تعالى أعلم» بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م 7/ 396
الاسم: لبيد محمود عبد البياتي
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أن يبارك فيك ويزيدك خيرًا.
لا يوجد فيما ذكرت ربا بأيّ حال، والأجل في عقد القرض وإن اشترطه المقرض على المستقرض واتفقا عليه فهو ساقط عند السادة الحنفية ومَنْ وافقهم مِنَ الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
السادة الحنفية رحمهم الله عزّ وجلّ لهم فهمهم في موضوع القروض ويتفق معهم جمهور الفقهاء عدا السادة المالكية رضي الله تعالى عن الجميع في هذا الفهم، وهو عدم جواز إضافة شرط الوفاء في زمن أو وقت على عقد القرض قياسًا على العرايا، لأنّهم ينظرون إلى المقرض والمعير بأنّه المتفضّل في هذا العقد، وأجره وفضله كبير، لذا لا يجعلون شرطًا في العقد يجعله متقيّدًا وملزمًا يُضعف سلطته في ماله، فإن اقرض مالًا لأحد ثمّ كانت له حاجة بعد مدّة لماله فله الحقّ بالمطالبة به، وكلّ شرط يمنعه من حقّه ساقط لا قيمة له.
وكذلك مَنْ أعار شيئًا لجاره فله أنْ يطالب بعاريته متى شاء حتى وإن اشترط عليه جارُهُ أنْ لا يردّها له إلّا بعد مدّة معينة.
قال الإمام السرخسي رحمه الله جلّ وعلا موضحًا ذلك:-
(ولا يجوز الأجل في القرض معناه أنّه لو أجله عند الإقراض أو بعد الإقراض مدة معلومة لا يثبت الأجل، وله أنْ يطالبه به في الحال، ولنا فيه طريقان:-
أحدهما: أنّ المقرض متبرّع، فلو لزم الأجل فيه لصار التبرّع ملزمًا بالكفّ عن المطالبة إلى مضيّ الأجل وذلك يناقض موضوع التبرّع. واشتراط ما يناقض موضوع العقد به لا يصح، وكذلك إلحاقه به لا يصحّ، فلهذا لا يلزم الأجل فيه، حتى وإنْ ذكر بعد العقد.
والثاني: أنّ القرض بمنزلة العارية على ما قرّرنا، والتوقيت في العارية لا يلزم حتى أنّ المعير وإنْ وقّته سنة فله أنْ يسترده مِنْ ساعته فكذلك الأجل في القرض وبه يتبيّن الجواب) ينظر المبسوط (14/59) بتصرف يسير.
وذكر الإمام النووي رأي السادة الشافعية رحمه ربّ البريّة جلّ وعلا فقال:-
(وَلَا يَجُوْزُ شَرْطُ الأَجَلِ فِيْهِ لِأَنَّ الأَجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا مِنَ العِوَضِ، وَالقَرْضُ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانِ فِي عِوَضِهِ فَلَا يَجُوْزُ شَرْطُ الأَجَلِ فِيْهِ) المجموع شرح المهذب (13/194).
وكذا الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى قال:-
(وَلِلْمُقْرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، فَأَوْجَبَهُ حَالَّا كَالْإِتْلَافِ. وَلَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيقَ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا جُمْلَةً؛ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَالٌّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بُيُوعًا حَالَّةً، ثُمَّ طَالَبَهُ بِثَمَنِهَا جُمْلَةً. وَإِنْ أَجَّلَ الْقَرْضَ، لَمْ يَتَأَجَّلْ، وَكَانَ حَالًّا. وَكُلُّ دَيْنٍ حَلَّ أَجَلُهُ، لَمْ يَصِرْ مُؤَجَّلًا بِتَأْجِيلِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: يَتَأَجَّلُ الْجَمِيعُ بِالتَّأْجِيلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ) المغني (4/237).
أمّا في الديون فالفقهاء يرون جواز اشتراط الأجل في العقد، والفرق بينهما أنّ القَرْض هو ما ليس له أجل، أي أنّ وقت السداد مفتوح غير متفق عليه، والدَّيْن: هو ما له أَجَل، ووقت السداد قد اتفق عليه.
والديون تكون في العقود الأخرى مثل أنْ يبيعه حاجة على أنْ يؤدي ثمنها بعد شهر، فالباقي في ذمّة المشتري دَيْنٌ عليه وليس قرضًا، قال الله جلّ وعلا:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ —} [سورة البقرة: 282].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.