8/2/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته… جزاكم الله تعالى خير الجزاء سيّدي على هذا الموقع المبارك وأسأله تعالى أنْ يرضى عنكم، وأنْ يحفظكم، وأنْ يرفع مقامكم في الدنيا والآخرة.

سؤالي: هل يجوز للإمام الراتب في مسجده أنْ يصلّي بالناس إمامًا على الكرسي لأنّه مصاب بمرض في (ركبته) وأخبره الطبيب بأنّه إذا صلّى وسجد فإنّه يؤذي نفسه ولا يشفى، فهل يجوز له أنْ يصلّي على الكرسي إذا لم يجد بديلا من المصلين يجيدون قراءه القرآن؟

افتونا جزاكم الله خير الجزاء.

 

الاسم: خادمكم أبو مصطفى

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته

أشكرك على تواصلك مع الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه لك بمثلها وزيادة إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:-

تعدّدت آراء السادة الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في الاقتداء بالصلاة خلف إمام جالس لمرض أو عذر، فمنهم مَنْ أجازه، ومنهم منعه، ومنهم مَنْ أجازه بشروط.

التفصيل:-

للفقهاء رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم في هذه المسألة آراء:-

الأوّل:- عدم الجواز، وبه قال السادة الأحناف ومَنْ وافقهم رحمهم الله سبحانه وعلّلوا ذلك بأنّه لا يُبْنَى القويُّ على الضعيف.

قال الإمام المرغيناني الحنفي رحمه الله عزّ وجلّ:-

(وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ الْمُومِئِ لِأَنَّ حَالَ الْمُقْتَدِي أَقْوَى) الهداية (1/59).

وقال أَيْضًا:-

(وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) الهداية (1/59).

أي (تَصِحُّ إمَامَةُ الْمُومِئِ بِمَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ سَقَطَ إلَى بَدَلٍ، وَالْمُتَأَدَّى بِالْبَدَلِ كَالْمُتَأَدَّى بِالْأَصْلِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَؤُمُّ الْمُتَوَضِّئِينَ) العناية شرح الهداية (1/371).

وكذا قال السادة المالكية رحمهم الله جلّ ذكره في أشهر الأقوال.

قال الإمام ابن رشد المالكي رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه:-

(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (وَهِيَ صَلَاةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ) — رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِمَامَةُ الْقَاعِدِ، وَأَنَّهُ إِنْ صَلَّوْا خَلْفَهُ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا إِنَّمَا عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى الْمَنْعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/162).

 

الثاني:- الجواز، وهو رأي السادة الشافعية ومَنْ وافقهم رحمهم الله تعالى.

قال الإمام الشيرازي رحمه الله جلّ جلاله:-

(وَيَجُوْزُ لِلْرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ المُوْمِي إِلَى الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالعَاجِزِ عَنْهُ كَالقِيَامِ) المهذب في فقه الإمام الشافعي (1/185).

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى:-

(وَيَجُوزُ لِلْقَائِمِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْقَاعِدِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “صَلَّى جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ” وَيَجُوزُ لِلرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُومِئِ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ ان يأتم بالعاجز عنه كالقيام) المجموع شرح المهذب (4/264).

 

الثالث:- وهو قول السادة الحنابلة رحمهم الله تعالى ومَنْ وافقهم، الجواز بشرطين:-

الأوّل:- أنْ يكون المرض مؤقتا يرجى شفاؤه.

الثاني:- أن يكون إمام المسجد هو الراتب.

وقالوا:- لا يصحُّ اقتداء القائم بالقاعد الذي عَجَزَ عن القيام، إلّا إذا كَانَ العاجز عن القيام إمامًا راتبًا، وكان عَجْزُه عن القيام سببه عِلة يُرجى زوالها فيصلّون خلفه ندبا. ينظر زاد المستقنع للشنقيطي (4/61)، والشرح الكبير على المقنع لابن قدامة المقدسي (4/75).

قال الإمام المرداوي رحمه الله جلّ في علاه:-

(وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا، هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ — فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/261).

 

الرابع:- أنْ يصلّي المأمومون جلوسًا خلف الإمام الجالس، وهذا عند الظاهرية رحمهم الله جلّ ذكره، إذ قالوا:-

(يَؤُمُّ الْمَرِيضُ قَاعِدًا: الْأَصِحَّاءَ، وَلَا يُصَلُّونَ وَرَاءَهُ إلَّا قُعُودًا كُلُّهُمْ، وَلَا بُدَّ) المحلى بالآثار (2/103).

والذي أرجّحه:-

أنْ لا يتقدّمهم مَنْ يعجز عن القيام، خروجًا من خلاف مَنْ يقول ببطلانها.

قال الإمام النووي رحمه الله جلّ ثناؤه:-

(قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ قَائِمًا كَمَا اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ الِاقْتِدَاءَ بِالقَاعِدِ، وَلِأنَّ الْقَائِمَ أَكْمَلُ وَأَقْرَبُ إلَى إكْمَالِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ) المجموع شرح المهذب (4/264).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله سبحانه:-

(الْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا مَرِضَ، وَعَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ، أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ، فَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَامِلَ الصَّلَاةِ) المغني (2/162).

وبهذه المناسبة أودّ أنْ أوجّه السادة الأئمة والخطباء الذين أدركتهم الشيخوخة أو أصابهم العجز -أسأل الله تعالى لهم ولجميع الطيبين والطيبات الشفاء- بفسح المجال لغيرهم لتنمية طاقاتهم في المساجد بصفة إمام وخطيب أو غير ذلك.

ومن الممكن لمَنْ أحيل على التقاعد أنْ يكمل رسالته في الدعوة الى الله جلّ في علاه في مختلف مجالات الحياة فالدعوة غير مقتصرة على المسجد.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.