7/5/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يديمكم ويحفظكم سيدي وجميع العاملين على هذا الموقع المبارك سؤالي إنْ سمحتم هو:

ما هو الحكم الشرعي للترويج للبيت الإبراهيمي الذي بُنيّ في الإمارات علماً أن فيه مسجد وكنيسة ومعبد لليهود ومركز تعليمي.

وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الاسم: معاذ عبد الرحمن

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته

أشكرك على تواصلك مع الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه لك بمثلها وزيادة إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:-

البيت الابراهيمي هو مجمع يجمع المسجد مع كنيس اليهود مع كنيسة النصارى في سور واحد مع استقلال كلّ بناية بشعائرها وطقوسها، وهذا لا إشكال فيه، إذا كان القصد منه التعايش السلمي بين الديانات كما صرّحوا هم بذلك لأنّ حضارة الإسلام تقبل الآخر.

أمّا إذا كان المراد منه تمييع الشعائر والأخذ بما اتفقت عليه الديانات الثلاثة ونبذ ما اختلفت عليه، والتأسيس لدين جديد، أو كتاب جديد، أو معبد جديد، على أنّه دين سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام فهذا قطعا لا يجوز، وهو مروق من الدِّين عياذا بالله تبارك في علاه.

التفصيل:-

بيت العائلة الإبراهيمية هو مجمع يضمّ مسجدا وكنسية ودَيْرا يقع في جزيرة السعديات، أبو ظبي.

وهو مستوحى من وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك التي وقّعها فضيلة الإمام أحمد الطيّب نيابة عن الجامع الأزهر، والبابا فرنسيس نيابة عن الكنيسة الكاثوليكية، في 4 شباط 2019 في (أبو ظبي).

تمّ افتتاحه رسميًّا في 16 شباط 2023، حيث أعلن القائمون على هذا المشروع إلى أنْ يكون بمثابة مجتمع للحوار بين الأديان والتبادل، وأنْ يكون مظهرًا مادّيًا لوثيقة الأخوة الإنسانية. وسيوفر مصادر تعليمية بالإضافة إلى أماكن للعبادة. يسعى المجمع إلى تمثيل التعايش بين الأديان والحفاظ على الطابع الفريد للأديان الممثلة وبناء الجسور بين الحضارة الإنسانية والرسائل الإبراهيمية.

إلى هذا الحدّ لا مانع منه، أمّا إنْ كانت هناك أغراض أخرى وراء هذا المشروع لم يعلن عنها، أو الحديث عن وجود أمر مبيّت فلا ينبغي الخوض أو التكهّن بما في نوايا الآخرين، إنّما الكلام عن المعطيات الحالية، فإذا استجدّ أمر فلكلّ حادث حديث.

قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(أُمِرْتُ أَنْ أَحْكُمَ بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ) مسند الإمام الشافعي رحمه الله عزّ شأنه.

والقرآن الكريم ذكر المساجد والصوامع والكنائس في آية واحدة.

قال عزّ من قائل:-

{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سورة الحج: 40].

وهناك كثير من البلدان يكون فيها المسجد قريبًا من الكنيسة، أو قريبًا من الدَّيْر،

فالمسجد العمري – المكان الذي صلّى فيه سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه وعنكم – عندما تسلّم مفاتيح بيت المقدس، فالمسجد قريب جدًّا من كنيسة القيامة.

والإسلام لا يغلق باب الحوار مع المخالفين بل يدعو إليه، قال عزّ شأنه:-

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ —} [سورة آل عمران عليهم السلام :64].

فلا بُدّ من التفريق بين التعاون والحوار لحقن الدماء ومنفعة الناس وبين التخلّي عن الأسس والمبادئ الإسلامية، فاقتراب دُوْر العبادة من بعضها لا يمسّ العقيدة الإسلامية بشيء.

قال فضيلة شيخ الأزهر نفع الله سبحانه به، في معرض كلامه عن البيت الإبراهيمي:-

(هناك أمر بحاجة إلى شيء من التوضيح هو محاوله الخلط بين تآخي الإسلام والمسيحية، الخلطُ بين هذا التآخي وبين امتزاج هذين الدِّينين، وذوبان الفروق والقسمات الخاصة بكلٍّ منهما.. وبخاصة في ظلّ التوجُّهات التي تُنادي -بـ”الإبراهيمية” أو الدين الإبراهيمي، نسبةً إلى إبراهيم -عليه السلام- أبي الأنبياء ومجمع رسالاتهم، وملتقى شرائعهم، وما تطمحُ إليه هذه التوجهات – فيما يبدو – من مزج اليهودية والمسيحية والإسلام في رسالةٍ واحدة أو دِين واحد يجتمعُ عليه الناس، ويُخلصهم من بوائق النزاعات، والصراعات التي تُؤدي إلى إزهاق الأرواح وإراقة الدماء والحروب المسلّحة بين الناس، بل بين أبناء الدِّين الواحد، والمؤمنين بعقيدةٍ واحدة، وهذه الدعاوى وإنْ كانت تبدو في ظاهرها وكأنّها دعوى إلى الاجتماع الإنساني وتوحيده والقضاء على أسباب نزاعاته وصراعاته إلا أنّها هي نفسها وفي حقيقة الأمر دعوة إلى مصادرة حريّة الاعتقاد، وحريّة الإيمان، وحرية الاختيار، وكلّ ذلك ممّا ضمنته الأديان، وأكّدت عليه في نصوص صريحة واضحة، ونحن لم نَرَ حتّى هذه اللحظة هذا الوليد الإبراهيمي الجديد ولا نعرف شيئًا عن ملامحه وقسماته، وهل المقصود منه تعاون المؤمنين بالأديان على ما بينها من مشتركات وقيم إنسانيه نبيلة؟ أو المقصود صناعة دين جديد لا لون له ولا طعم ولا رائحة؟).

وأبدى مجمع البحوث في الأزهر الشريف رأيه أيضًا في بيان نُشِرَ على موقعه الرسمي:-

(إنّ مبادرات الأخوة الإنسانية، وبناء دور عبادة مستقلة لغير المسلمين لأداء شعائرهم مع الحفاظ على هوية كلّ دين وخصوصيته واستقلاليته؛ لا يعدّ دمجًا للأديان، ولا هو من قبيل تلك الدعوات الباطلة المشبوهة التي استهدفت انصهار الأديان ومزجها في دين واحد، بل هو جائز شرعًا نظرًا لِمَا يترتب عليه من مقاصد إنسانية يدعو إليها الدين الإسلامي، بل وتدعو إليها كافّة الشرائع السماوية).

ثمّ إنّ اختلاف النّاس وكونهم أممًا هو مِن سنن الله جلّ في علاه القائل:-

{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ —} [سورة سيّدنا هود عليه الصلاة والسلام: 118].

ولو شاء لجمعهم على رأي واحد، ومن هنا كانت بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كلّ نبيّ إلى قومه، ولكلّ منهم شرع ومنهج.

قال جلّ جلاله:-

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [سورة المائدة: 48].

حتى ختمت ببعثة حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين إلى النّاس كافّة كما ورد في قوله سبحانه:-

{وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلمون} [سورة سبأ: 28].

وختامًا: أبارك لك ولأمثالك هذا الحرص، وأحبّ أنْ أطمئنك بأنّ دين الله جلّ وعلا محفوظ، وأنّ الدعوات التي تقوم ضدّه خاسرة حتمًا، قال عزّ من قائل:-

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [سورة الأنفال: 36].

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، على آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.