31/5/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله سيّدي حضرة الشيخ، نسأل الله تعالى أنْ يحفظكم ويُحقق مرادكم ويديم أنواركم.

سؤالي: مَنْ هو أحقّ بالصلاة على الجنازة، إمام وخطيب الحيّ (القرية) أم الرّجل من أهل الميْت، سواء كانت في المسجد أو في البيت أو في المقبرة؟

 

الاسم: محمد

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه لك بمثلها وزيادة إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:-

تعدّدت آراء السادة الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فيْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بالصلاة على الميّت، فمنهم مَنْ ذهب إلى تقديم إمام المسجد كونه ينوب عن السلطان، ومنهم مَنْ ذهب إلى تقديم قرابة الميت، ومنهم مَنْ ذهب إلى تنفيذ وصيّة الميّت في مَنْ أوصى أنْ يصلّي عليه.

التفصيل:-

مذاهب السادة الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في أحقية الصلاة على الميت متعددة، يمكن اختصارها في رأيين:-

الأول:- الذي يتولى الصلاة على الميت هو السلطان أو من ينوب عنه سواء كان القاضي أو إمام المسجد، وهو مذهب السادة الأحناف والمالكية والحنابلة ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

جاء في كتاب العناية شرح الهداية (2/118) وهو من كتب السادة الحنفية رحمهم ربّ البرية جلّ جلاله:-

(وَأَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ السُّلْطَانُ إنْ حَضَرَ لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ازْدِرَاءٌ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالْقَاضِي لِأَنَّهُ صَاحِبُ وِلَايَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ إمَامِ الْحَيِّ لِأَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. قَالَ: ثُمَّ الْوَلِيُّ —).

وورد في المدونة (1/258) وهو من كتب السادة المالكية رحمهم الله عزّ شأنه ما يلي:-

(قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وُضِعَتْ جِنَازَةُ أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهِيَ امْرَأَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ فَصُفَّا جَمِيعًا وَالْإِمَامُ يَوْمئِذٍ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَوُضِعَ الْغُلَامَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَفِي النَّاسِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ فَقَالُوا هِيَ السُّنَّةُ) المدونة (1/258).

وفي المغني (2/359) وهو من كتب السادة الحنابلة رحمهم الله عزّ وجلّ ورد الآتي:-

(أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ الْأَمِيرِ عَلَى الْأَقَارِبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ).

وجاء فيه أيضًا:-

(وَحَكَى أَبُو حَازِمٍ قَالَ: شَهِدْت حُسَيْنًا حِينَ مَاتَ الْحَسَنُ، وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَيَقُول: تَقَدَّمْ، لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُك وَسَعِيدٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: شَهِدْت جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ عُمَرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ وَخَلْفَهُ يَوْمئِذٍ ثَمَانُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيهِمْ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ).

الثاني:- يقدّم الوليّ على إمام المسجد، وهو مذهب السادة الشافعية ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم في آخر أقوالهم.

قال الإمام النووي رحمه الله جلّ في علاه في المجموع شرح المهذب (5/217) ما نصّه:-

(إذَا اجْتَمَعَ الْوَلِيُّ الْمُنَاسِبُ وَالْوَالِي فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ:-

الْقَدِيمُ:- أَنَّ الْوَالِيَ أَوْلَى ثُمَّ إمَامُ المَسْجِدِ ثُمَّ الوَلِيّ.

وَالجَدِيْدُ:- الصَّحِيْحُ أَنَّ الوَلِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَالِي وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ).

والذي أرجّحه هو مذهب السادة الحنفية ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلّا إذا كان الوليّ مِمّنْ يُحْسِنُ الصلاة ويعرف أحكامها، وطلب أنْ يصلّي على قريبه، فعندئذ لا مانع من تقديمه، وإلّا فالإمام أَوْلَى لأنّ الكثير من الناس يجهلون الأحكام الشرعية، وفي تقديم الإمام للصلاة على أموات المسلمين توقير واحترام دعت إليه الشريعة الغرّاء، قال سيّد الأنبياء عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأتقياء:-

(لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

ومعنى قوله (وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا) أي حقه ومنزلته وقدره.

ويتأكّد هذا الحكم إذا كانت الصلاة في مسجد الحيّ للحكمة التي ذكروها في قولهم المبارك وهي:-

(لِأَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ).

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.