14/7/2023

نص السؤال:

السلام عليكم شيخنا العزيز رفع الله قدركم وزادكم عزًّا.

شخص يطلب شخصا مبلغا من المال ولم يسدّد ما بذمّته، فوكّل الأول محاميا ليقوم بشكوى ويستحصل المال، هل أجور المحامي من المدين أم من الدائن علما أنّ الدين تأخّر كثيرًا؟

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم الله جلّ وعلا وسدّد خطاكم، وشكرًا على دعواتك الطيّبة.

الجواب باختصار:-

يدفع أجور المحامي المدين؛ لأنّه ضامن بالردّ، فإنْ عجز فيتحمّل أجور المحامي الدائن.

التفصيل:-

إنَّ قضاء حاجات الناس، والسعي لها من أجلِّ الأعمال والأفعال التي يحبّها الله جلّ وعلا ورسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وأصحابه المكرمين، قال عزّ من قائل:-

{— إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 90].

وقال سبحانه:-

{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [سورة الإنسان: 8 – 12].

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:-

(أَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا فُلَانُ أَرَاكَ كَئِيبًا حَزِينًا، قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ حَقٌّ، لَا وَحُرْمَةِ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفَلَا أُكَلِّمُهُ فِيكَ، قَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ: فَانْتَقلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنَسِيتُ مَا كُنْتَ فِيهِ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي سَمِعْتُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَهْدُ بِهِ قَرِيبٌ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ وَبَلَغَ فِيهَا كَانَ خَيْرًا مِنِ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِينَ، وَمَنِ اعْتَكَفَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ ثَلَاثَ خَنَادِقَ أَبَعْدَ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ.

فلا ينبغي لمن يَسَّرَ الله جلّ وعلا له شخصًا وأعانه على شدائد هذه الحياة الدنيا أنْ يماطل، ويؤخّر ما بذمّته حتّى لا يخالف هذه النصوص الشريفة ومثيلاتها وهي كثيرة جدًّا فيكونَ سببًا في قطع سبيل المعروف والإحسان إلى الخلق، وبهذا يوجهنا الشارع الحكيم بقوله:-

{فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ —} [سورة البقرة: 283].

وبقوله جلَّ شأنه:-

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا …} [سورة النساء :58].

وجاءت أحاديث شريفة ترشدنا وتحذّرنا وتبيّن لنا محاسن ومساوئ الدَّيْنِ، منها:-

قول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

أي (إِذَا أُحِيْلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيّ فَلْيَحْتَل، يُقَالُ: تَبِعْتُ الرَّجُلَ بِحَقِّي أَتَبَعَهُ تِبَاعَةً إِذَا طَالَبْتُهُ وَأَنَا تَبِيْعُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {ثُمَّ لَا تَجِدُوْا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيْعًا} [سورة الإسراء: 69]، وَفِيْهِ مِنَ الفِقْهِ إِثْبَاتُ الحَوَالَةِ، وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ الحَقَّ يَتَحَوَّلُ بِهَا إِلَى المُحَالِ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ عَنِ المُحِيْلِ) معالم السنن (3/65).

وقوله صلّى الله تعالى وسلّم عليه آله الكرام وصحبه الأعلام:-

(لَيُّ الوَاجدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعقوبَتَهُ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّت صفاته.

(ليُّ الواجدِ)، أي: تأخّر الغني عن قضاء دينه، ومماطلته فيه (يُحِلُّ عِرْضَهُ)، أي: بإغلاظ القول له، (وعقوبَتَهُ)، أي: بحبسه ومعاقبته.

وقوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

أي: يجب على اليد ردّ ما أخذته؛ لأنّها ضامنة.

وإليك أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم عمّا تسأل عنه:-

1- قَالَ الإمام بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله جلّ وعلا:-

(قَالَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْبِسَ فِي الدُّيُوْنِ قَرْضًا كَانَ أَوْ غَصْبًا أَوْ ثَمَنَ مَبِيْعٍ أَوْ مَهْرٍ، لَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ فِي أَوَّلِ مَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ، وَيُقَالُ لَهُ: قُمْ فَأَرْضِهِ فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ حَبَسَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوْسُفٍ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى) البناية شرح الهداية (9/27).

2- قال الإمام أبو عبد الله المواق المالكي رحمه الله سبحانه:-

(وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَدْ حَلَّ وَعِنْدَهُ بِهِ قَضَاءٌ فَلَا يَنْفِرُ وَلَا يُرَابِطُ وَلَا يَعْتَمِرُ وَلَا يُسَافِرُ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ) التاج والإكليل لمختصر خليل (4/540).

3- قال الإمام الشيرازي الشافعي رحمه الله جلّ في علاه:-

(وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَتَمَهُ حَبَسَهُ وَعَزَّرَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ) المهذب (2/112).

4- قال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله عزّ وجلّ:-

(إذَا امْتَنَعَ الْمُوسِرُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلِغَرِيمِهِ مُلَازَمَتُهُ، وَمُطَالَبَتُهُ، وَالْإِغْلَاظُ لَهُ بِالْقَوْلِ، فَيَقُولُ: يَا ظَالِمُ، يَا مُعْتَدٍ. وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيُّ الْوَاجِدِ، يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ». فَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ) المغني (4/341).

وبالتالي فإنّه يجب على المدين أنْ يدفع أجور المحامي لأنّه ضامن بالردّ، فإنْ عجز عن ذلك تحمّل الدائن هذه الأجور.

والله تبارك اسمه أعلى وأعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على النبيّ الكريم وآله وصحبه أجمعين.