السؤال:
ما حكم تشريح جثة الميت للأغراض الطبية أو للتحقيقات الجنائية؟
الذي أراه – والله أعلم – أن تشريح جثة الميت للأغراض المذكورة جائز. هذا جوابي باختصار، أما التفصيل فأقول:
في، صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى من المثلة، أن التمثيل كتشويه الوجه وبقر البطن وقطع بعض الأعضاء. وورد عند ابن أبى شيبة: (أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته). وأخرج الامام أحمد وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حيا).
وقد فهم العلماء المحققون أن ذلك حرام اذا كان القصد منه اهانة الميت أو التشفيَ والانتقامَ منه، أو لا لغرض ضروري. يدل على هذا أنهم أجازوا شق بطن الميت في حالات الضرورة كما سيأتي، لان الضرورات تبيح المحظورات، مع ملاحظة أن الضرورة تقدر بقدرها.
ولا شك أن من الضرورات، بل من أهمها انقاذ النفس بالغذاء والدواء ودرء الاخطار.
ومن المقرر عند عامة الفقهاء أنّ تعلم المهن الضروية فرض كفاية، أى فرض على بعض أبناء الامة، ومن ذلك الطب. ففيه ازالة الآلام أو تخفيفها، وفيه التغلب على بعض العلل المزمنة بتخفيفها أو ايقافها أو از التها. وفيه محاولات لا يجاد ما يقضى على الادئية ويمنع انتشارها.
ولم تكن معالجة الأمراض الداخلية سابقة الا بالعقاقير التي يتناولها المريض عن طريق الفم أو بالحقن والمراهم ونحو ذلك مما يُعَد بدائيا بالنسبة الى ما وصل إليه الطب اليوم. لم يكن بالإمكان استئصال الكلية أو المرارة أو الزائدة الدودية التى اذا ما انفجرت أو قاربت الانفجار سببت آلاماً لا تُطاق وأدت الى الوفاة غالبا. وهذه المعالجات ونحوها متوقفة على العالم بالتشريح، فبواسطته صار الجراح بعيدا بكيفية فتح البطن في المكان المناسب والقدر المناسب . وكذلك في معالجة العلل الأخرى.
والتشريع في الطب العدلي ضروري أيضا. فبتشريح جثة القتيل أو المشتبه بسبب وفاته تحدد الاسباب غالبا. وكم ساعد ذلك على اثبات الجريمة على مرتكبها ونفيها عن غيره من المتهمين. وبغير ذلك قد يُدان البريء وينجو المجرم الحقيقي مما يستحقه من عقوبة.
وما تقدم من عدم جواز انتهاك حرمة الميت والنهي من كسر عظمه وبقر بطنه كل ذلك لا يقاوم الضرورة.
أما القاعدة الناصة على أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة فذلك فيما إذا لم تكن المصلحة راجحة رجحانا كبيرا. وقد قال الفقهاء ان حرمة الحي وحفظ نفسه أولى من حفظ الميت. ثم إنَّ ما نحن فيه انما هو تقديم درء مفسدة هامة على أخرى دونها. كدرء المفسدة عن حياة الجنين – اذا غلب على الظن اخراجه حياً – على المفسدة الحاصلة من شق بطن أمه الميتة.
قال صاحب المهذب: وان ماتت امرأة وفى جوفها جنين حي شق جوفها، لأنه استبقاء حي باتلاف جزء من الميت ا هـ من المجموع للنووى ٠١٦٨/٥ وقد صرح بمثل ذلك فقهاء كثيرون.
كذلك أجاز الفقهاء شق بطن الميت اذا كان قد ابتلع مالا، سواء كان المال له وطالب به الورثة أم كان لغيره وطالب به صاحبه (على تفصيل مذكور فى كتب الفقه).
اذا جاز ذلك لأجل المال فجوازه لدفع الخطر من الانسان الحي أولى. هذا ما ظهر لي والله أعلم.