2/8/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم الله تعالى سيّدي حضرة الشيخ وأطال بعمركم ونفعنا بكم وجزاكم عنّا خير الجزاء.

سؤالي سيّدي عن عورة الرجل وحدودها (من أين تبدأ وأين تنتهي؟) 

رضي الله تعالى عنكم

 

الاسم: عثمان

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرًا جزيلا لدعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خير، ويدفع عنك كلّ ضير، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الرد باختصار:-

اتفق الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ على أنّ عورة الرجل ما بين السرّة والركبة، وتباينت آراؤهم في بدايتها ونهايتها.

التفصيل:-

يقول الله جلّ جلاله:-

{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [سورة الأعراف: 26 – 27].

قال الإمام القرطبي رحمه الله جلّ وعلا في تفسيره:-

(قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ: “يُوارِي سَوْآتِكُمْ”. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، بَلْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْإِنْعَامِ فَقَطْ. قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِنْعَامِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ جَعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَاتِهِمْ، وَدَلَّ عَلَى الْأَمْرِ بِالسَّتْرِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ) الجامع لأحكام القرآن (4/299).

والعورة:-

(مَا يَحْرُمُ كَشْفُهُ مِنَ الْجِسْمِ سَوَاءٌ مِنَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ، أَوْ هِيَ مَا يَجِبُ سِتْرُهُ وَعَدَمُ إِظْهَارِهِ مِنَ الْجِسْمِ، وَحَدُّهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْجِنْسِ وَبِاخْتِلاَفِ الْعُمْرِ) الشرح الصغير (1/283).

هذا وقد حرص الإسلام على القضاء على الفاحشة والرذيلة في المجتمع، ومن جملة وسائله الفاعلة لذلك: ستر العورات، قال عزّ من قائل:-

{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [سورة النور: 30].

وقال الرحمة المهداة عليه أفضل الصلوات وأتمّ التسليمات:-

(لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنّ عورة الرجل ما بين السرة والركبة، لكن آرائهم تعدّدت في تحديد بدايتها ونهايتها على النحو الآتي:-

يرى السادة الحنفية ومَنْ وافقهم رحمهم الله عزّ شأنه: أنّ عَوْرَةَ الرَّجُل بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ – سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا لَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ – هِيَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ، وَالسُّرَّةُ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَلَكِنَّ الرُّكْبَةَ عَوْرَةٌ، وكان من عباراتهم:-

(وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ إلَّا الْعَوْرَةَ، وَهِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ (6/18).

أمّا السادة الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمَنْ وافقهم رحمهم الله جلّ ذكره فَأَنَّ الرُّكْبَةَ وَالسُّرَّةَ لَيْسَتَا مِنَ الْعَوْرَةِ فِي الرَّجُل، وَإِنَّمَا الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا فَقَطْ، قال الخطيب الشربيني الشافعي رحمه الله تعالى:-

(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ، وَرُكْبَتِهِ) مغني المحتاج (1/397).

وَالرِّوَايَةُ الأْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا الْفَرْجَانِ، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله سبحانه:-

(وَالصَّالِحُ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّهَا مِنْ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا الْفَرْجَانِ. قَالَ مُهَنَّا، سَأَلْت أَحْمَدَ مَا الْعَوْرَةُ؟ قَالَ: الْفَرْجُ وَالدُّبُرُ) المغني (1/413).

وَيَرَى السادة الْمَالِكِيَّةُ رحمهم ربّ البرية جلّ جلاله فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُل بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ لاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَقِيل: لاَ يَحْرُمُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ، وَقِيل: يُكْرَهُ عِنْدَ مَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ، قال الإمام الصاوي رحمه الباري جلّ وعلا:-

(فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فَخْذُ الرَّجُلِ عَوْرَةً مَعَ مِثْلِهِ وَمَحْرَمِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَيَحْرُمُ كَشْفُهُ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ عِنْدَ مَنْ يَسْتَحْيِ مِنْهُ) الشرح الصغير (1/288).

والذي أراه:-

أنّ الأمر فيه سعة، ولذلك تعدّدت الآراء في تحديد بداية العورة ونهايتها، والحمد لله الذي جعل ديننا يُسرا، فهو القائل سبحانه:-

{— مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة: 6].

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.