25/8/2023
نص السؤال:
أخي مسجون ظلما ولا دليل عليه أنّه مذنب إلّا أنّ صديقه ذكر اسمه تحت التعذيب وله الآن ٤ سنوات، لديه أربعة أولاد، والآن زوجته تطلب الطلاق ما رأي الشرع وبأي ذنب القاضي يطلّق امرأة من زوجها ظلما وبهتانا؟ أين العدل؟ هل الله يرضى بهذا الظلم؟
الاسم: ميسم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ جلاله أنْ يبارك لكِ ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
يحقّ للزوجة أنْ تطلب الطلاق إذا أصابها ضررٌ محقّقٌ ماديّ حسيّ أو معنويّ نفسيّ، تحقيقًا لقاعدة (الضَّرَرُ يُزَالُ)، وللقاضي الحقّ في تطليقها إذا رفض الزوج طلاقها أو غاب عنها لكونه سجينًا أو مفقودًا لمدّة طويلة؛ وأهيب بالزوجة ـ خصوصًا بوجود الأولاد ـ الصبر والاحتساب؛ فالأحوال تتغيّر، وعسى أنْ يكون بعد العسر فرجٌ ويُسرٌ؛ فبالطلاق يتحوّل الأولاد إلى يتامى حُكمًا؛ وفي هذا ضرر كبير يُلاحقهم مدى الحياة.
قبل البدء بتفصيل الجواب أودّ بيان بعض الأمور الهامّة التي تتعلّق بمنهجية وأدب السؤال والاستفتاء، منها:ـ
1ـ ضرورة البدء بالسلام، تطبيقًا لمنهج الإسلام، وأرجو مراجعة مقدّمة جواب السؤال المرقم (2556) في هذا الموقع المبارك.
2ـ ضرورة توقير اسم الجلالة بإضافة (جلّ وعلا، عزّ وجلّ)، وهذا مثبت في باب راسلنا الذي تقدّمتم بالسؤال عن طريقه.
3ـ لا ينبغي للسائل أنْ يُقدّم في صيغة سؤاله جوابًا له؛ فإذا كان السائل عالمًا بالجواب مسبقًا فلماذا السؤال إذن!!!
وأبدأ الآن بتفصيل الجواب فأقول وبالله جلّ جلاله التوفيق:ـ
قال الله سبحانه:ـ
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 231].
إنّ الشريعة الغرّاء حوت كلّ هدايات الكمال والجمال، ومنها العدل ومراعاة حاجة الناس بدفع الظلم والضرر عنهم، وجلب المصلحة والخير لهم، وهذا أمر عام ينتفع منه الجميع؛ فكما أنّ المسلم لا يرضى بالضرر يقع عليه، فلا ينبغي له أنْ يكون سببًا لضرر غيره، ولا يخفى أنّ المرأة ما دامت في عصمة زوجها لا يحلّ لها بحال أنْ تتزوّج غيره مهما طال غيابه، إلّا إذا طلّقها الزوج أو حكم بالطلاق قاضٍ مسلم، وانتهت عدّتها منه.
ومن هنا فالزوجة التي يغيب عنها زوجها مدّة طويلة ـ بسفر أو حبس أو فقدان ـ الحقّ في أنْ ترفع طلبًا للقضاء لتنال طلاقها، لكي يتيسّر لها الزواج بعد انقضاء عدّتها مرّة أخرى، فالزواج حاجة فطرية قد تكون ملحّة وضرورية عند بعض الأشخاص، ويُصيبهم بفقده ضرر كبير قد لا يفهمه أو يحسّ به أشخاص آخرون؛ ومن هنا قال فقهاء السادة المالكية رضي الله تعالى عنهم وعنكم بالتفريق بعد غياب الزوج سنة واحدة؛ فقد جاء في الموسوعة الفقهية تحت عنوان التَّفْرِيقُ لِلْحَبْسِ:ـ
(وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّفْرِيقِ عَلَى الْمَحْبُوسِ إِذَا طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ وَادَّعَتْ الضَّرَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ حَبْسِهِ، لأِنَّ الْحَبْسَ غِيَابٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّفْرِيقِ لِلْغَيْبَةِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ، كَمَا يَقُولُونَ بِهَا مَعَ الْعُذْرِ عَلَى سَوَاءٍ..) الموسوعة الفقهية (29/ 66).
أمّا عن حقّها في طلب الطلاق بسبب سجنه مدّة طويلة، فإنْ كان المقصود بذلك سؤالها لزوجها أنْ يطلقها؛ لما يقع عليها من ضرر غيابه الطويل، فهذا حق لها ولا إشكال فيه، فإنّ طلب المرأة الطلاق لضرر يقع عليها لا حرج فيه، وإنّما تُنهى عن طلب الطلاق من غير بأس، لقول حضرة النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ
(أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا.
ولا شكّ أنّ في غياب الزوج السجين كلّ تلك المدّة ضررًا ظاهرًا بالزوجة.
أمّا إذا كان المقصود بحقّ المرأة في الطلاق المطالبة به قضاء، وإلزام الزوج به رضي أم كره، فهذا قد تعدّدت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكمه، فذهب الجمهور إلى عدم الجواز إذا كان الزوج ينفق على الزوجة، ولأنّ غيابه بعذر، وذهب البعض إلى الجواز، وهذا الرأي أقرب إلى تحقيق مقاصد الشرع الشريف وقواعده المباركة لما فيه من رفع الضرر الواقع على الزوجة.
ولكن لنا مع هذه الزوجة التي ابتليت بهذا الأمر توجيه مهم، فالدنيا دار ابتلاء، ولنا في هذه المصائب ـ إذا رضينا وصبرنا ـ أجر عظيم ورفعة في الدارين، خصوصًا بوجود الأولاد الذين سيتحوّلون بالطلاق يتامى حُكمًا، وسيجتمع عليهم فقدان أبيهم وغياب أمّهم، ولهذه الزوجة وأمثالها هذه البشارة النبوية الكريمة فعن سيّدنا عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ:ـ
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا، حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى أَيْتَامِهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
فينبغي للزوجة في مثل هذه الحال أنْ توازن بين المصالح والمفاسد بعقل راجح ورأي سديد وقلب متطلع لرحمة الله تعالى والطمع في مثوبته الكبرى، ولا شك أنّ المسلم العاقل يُقدّم الباقي الغالي على الرخيص الفاني.
كما أنّ للطلاق أضرارًا متنوعة تعود على الأسرة والمجتمع ولمعرفة بعضها أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (710، 1756، 2170) في هذا الموقع المبارك.
هذه هدايات لهذه الزوجة ولكن الحال يُقدّر بقدره، ولا يعرف هذا الحال إلّا صاحبه.
والشرع الشريف ندب لتحمل الشدائد ما دامت في وسع العبد، وأنّ للزوجة الأمّ على نحو عام وظيفة كبرى ومسؤولية عظيمة تنال بها شرف وعزّ الدنيا والآخرة، وخصوصًا بغياب الزوج وتحمّل المسؤولية وحدها.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أدعو جميع الأهل من كلا العائلتين أنْ يقفوا مع هذه الزوجة ويكونوا لها عونًا وسندًا، يخفّفوا عنها ألم فقدان زوجها وعبء المسؤولية عليها، فهذا واجب شرعي شريف، قال رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:ـ
(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.