1/9/2023
نص السؤال:
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم حضرة الدكتور المربي أتمنى أنْ تكون في صحّة وعافية وأسأل الله أنْ يحفظك، سؤالي هو:-
عند النظر على التلفاز ورؤية بيت الله الحرام لا نرى سقفا أو شيئا فوق المصلّين ليحميهم من حرّ الصيف وبرد الشتاء فهل في ذلك نهي أم ما المغزى من تركها مفتوحة؟
وشكرا
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
لا خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى في صحّة طواف مَن استظل مِنْ حرّ الشمس أو من المطر ونحوه سواء كان ما يستظل به ثابتا كالطواف في المبني من الطابق الأول والثاني في المطاف في زمننا.
أو كان متحرّكا كالطواف في المحمل قديمًا أو تحت مظلّةٍ شخصية كما يفعله المسلمون في الوقت الحاضر، ولكن يشترط فيهما أنْ لا يكون ما يستظلّ به ملاصقا للرأس في حالة الإحرام لمنعه من تغطية رأسه.
إنّ استظلال الطائف في البيت العتيق سواء كان مُحْرِمًا أو غير مُحْرِمٍ من الأمور الجائزة في شرعنا الحنيف، ومن أدلة جوازه ما ورد عن الإمام أبي عبد الله الفاكهي بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ:-
(رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَعَلَى رَأْسِهِ بُرْطُلَةٌ) أخبار مكة للفاكهي رحمه الله سبحانه (1/277).
قال اللَّيْثُ: البُرْطُلَّةُ، هي المِظَلَّةُ الصَّيْفِيَّةُ. التكملة والذيل والصلة للصغاني رحمه الله جلّ في علاه (5/269).
فهذا الصحابي الجليل سيّدنا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وعنكم يطوف ويستظلّ بالمظلة على مرأى ومسمع كثير من الصحابة رضوان الله سبحانه عنهم وعنكم ولم يُعلَم عن أحدهم الإنكار عليه، فهذا من الإجماع السكوتي الذي هو حجّة في الشرع الشريف.
وممّا يؤكّد هذه المسألة أنّ مذهب جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم هو جواز الاستظلال للمُحْرِم، فقد ورد عَن الإمام أبي حنيفَة رحمه الله جلّ وعلا أنّه قَالَ:-
(لَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَظِلَّ الْمُحْرِمُ إِذَا جَافَى ذَلِكَ عَنْ رَأْسِهِ فَلَمْ يُلْصِقْهُ بِشَيْءٍ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ) الحجة على أهل المدينة (2/270).
ومن أعمال المُحْرِم: الطواف بالبيت العتيق، فلا بأس به أيضا.
أمّا عن العلة التي دعت لجعل ساحة المطاف خالية ممّا يستظل به، فالظاهر والله تعالى أعلم أنَّ وضع مثل ذلك محتاج لأعمدة لكي تثبت عليها المظلّات وهذه ممّا قد يُعِيقُ سلاسة الطواف في رحاب البيت العتيق، خصوصًا في أيّام الزحام الشديد، ولكن الأسباب التي منحها الله جلّ جلاله لنا في عصرنا هذا فيها من الأساليب الهندسية المبتكرة والطاقات المادّية ممّا قد يمنع من كثرة الأعمدة التي تعيق مسار الطائفين.
وأنا داعٍ من هذا الموقع المبارك لأنْ تستغل الطاقات المادية والفكرية للسعي في خدمة قاصدي الكعبة المشرّفة والطائفين فيها ممّا يخفّف عنهم حرّ الشمس وشدّة البرد مع الحرص على بقاء الهيبة للبيت العتيق والجماليّة للمطاف المبارك امتثالا لِمَا حثّ الحقّ عزّ شأنه عليه من تعظيم شعائره المباركة حيث قال:-
{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [سورة الحج: 32].
ولما أرشد إليه من إعمار بيته الكريم حيث قال:-
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [سورة التوبة: 18].
وقد سألت بعض أهل الخبرة من المطّلعين على سير العمل في الحرم المكيّ الشريف عن سبب التأخّر في إنشاء هذه المظلّات فيه، فأخبرني أنّ الحكومة القائمة على خدمة الحرمين الشريفين، قد وضعت في حسبانها إنشاء مثل هذه المظلّات، ولكنّهم مشغولون حاليًّا بما هو أهمُّ من توسعة الحرم المكي الشريف ليتسع للطائفين والركع السجود، ثمّ تأتي مرحلة المظلات في وقت لاحق. هذا مفاد ما أخبرني به.
والله تبارك اسمه أعلم.
وأسأل الله العظيم أنْ يوفق القائمين على خدمة الحرمين الشريفين لما فيه الخير والإحسان، إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلّى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبيّ المعظّم والرسول المكرّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.