11/9/2023
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: كيف حالكم سيّدي وقرّة عيني نسأل الله أنْ يلبسكم لباس الصحة والعافية إنّه وليّ ذلك والقادر عليه، اللهمّ آمين يا رب العالمين…
سيّدي الكريم فقط لديّ مسألة تخصّ وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم هل حضرته مات متأثرًا بالسمّ الذي وضعته له اليهودية أنّ حضرته صلّى الله عليه وسلّم مات بدون ذلك فإنّي تفاجأت برواية للإمام أحمد عن عبد الله، قال: “لأنْ أحلف بالله تسعًا، إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قتل قتلا، أحبّ إليّ من أنْ أحلف واحدة، وذلك بأنّ الله عزّ وجلّ اتخذه نبيًّا، وجعله شهيدًا
وكذلك هناك رواية عن الحاكم في المستدرك يقول فيها ما معناه أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم مات مسموما والأئمة من بعده الإمام علي وأولاده الحسن والحسين عليهم السلام ورضي الله عنهم ماتوا بالقتل والسمّ…
فكيف انتقل النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ وإذا كان مات متأثرًّا فكيف نوفق بين الموت بالسمّ وبين قوله تعالى {والله يعصمك من الناس}؟
وأعتذر عن الإطالة سيّدي وقرّة عيني جزاكم الله خير الجزاء يا رب.
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة المباركة، وأسال الله جلّ وعلا لك مثلها وزيادة.
لقد خَيّرَ الله عزّ وجلّ نبيه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بين زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار الرفيق الأعلى، ولقد مُكِرَ بحضرته كثيرًا للتخلّص من جنابه الشريف ولم يؤثر ذلك لوجود العصمة والحفظ والتأييد من الباري سبحانه، والسُّمُّ من جملة ما مُكِرَ به ولم يضُرّه وعاش بعده ثلاثَ سنوات، وعندما حان اللقاء بالرفيق الأعلى أحسّ بألمه ليجمع الله تعالى لهُ مقام الشهادة مع النبوّة لأنّه أهل الكمالات جميعها عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.
لقد اعتنت كتب السيرة العطرة بانتقال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ونقلته، وكذلك كتب الحديث وشُرّاح السنّة النبوية الشريفة.
(باب مرض النبي صلّى الله عليه وسلّم ووفاته)، (باب ما يذكر من سّمِّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم) فتح الباري (10/245).
(باب في اختيار الله تعالى له صلّى الله عليه وسلّم بأنْ يجمع له مع النبوة الشهادة) سبل الرشاد في سيرة خير العباد (12/303).
(باب دعاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: اللهمّ الرفيق الأعلى) إرشاد الساري (9/201).
لقد ذهب كثير من أهل السِّيَرِ والحديث الشريف إلى أنّ حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عاوده ألمُ السُّمِّ الذي تَعرّض له في خيبر. ولم أطلع على أحد من أهل السير أو الحديث الشريف نفى (فَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ لَمْ يَنْفِ) ما قاله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام للسيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها:-
(مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَر تعَادُنِي، فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري) ينظر: صحيح البخاري لابن بطال رحمه الكبير المتعال (5/347)، فتح الباري (10/245)، تأويل مختلف الحديث (1/263)، المواهب اللدنيّة بالمنح المحمدية (3/549)، فيض القدير (5/488).
وقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين:-
(يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
وعن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:-
(لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ قَتْلًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّت صفاته.
وتعليلهم في ذلك ليجمع الله جلّ جلاله لهُ مع النبوّة مقام الشهادة ولا تفوته مَكْرُمَةٌ، وقد جاءت هذه الألفاظ:-
(فضيلة الشهادة، وصف الشهادة، درجة الشهادة، وأراد الله له الشهادة) مختلفةً في المبنى ولكنّها متفقة في المعنى. ينظر: شرح سنن ابن ماجه (1/254)، والخصائص الكبرى للإمام السيوطي رحمه الكريم المتعال (2/473)، دلائل النبوة لابي نعيم الأصبهاني (1/600)، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية رحمهم الله جلّ في علاه (7/363).
فلا بُدّ من فهم هذه النصوص الشريفة على مقتضى أصول الشريعة الغرّاء، فمقتضى الإيمان يقرّر العصمة كما قال سبحانه:-
{— وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ —} [سورة المائدة: 67].
قال الإمام القيرواني رحمه الله تعالى:-
(أَمَرَهُ بِالتَّبْلِيْغِ وَأَخْبَرَهُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النَّاسِ، قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحْرِسُوْنِي، فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَنِي، وَكَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَعَقَّبُوْنَهُ فِي اللَّيْلِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِلْحَقُوْا بَمَلَاحِقِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ) الهداية الى بلوغ النهاية (3/1806).
وقال الإمام السمعاني رحمه الله جلّ ذكره:-
(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كَانَ النَّبِيُّ قَبْلَ نُزُوْلِ هَذِه الْآيَةِ يَأْتِيْهِ قَوْمٌ فَيَحْرسُوْنَهُ؛ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِه الْآيَة؛ أَخْرَجَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: انْصَرِفُوْا، فَإِنَّ اللهَ يَعْصِمُنِي) تفسير السمعاني (2/53).
وقال الإمام البغوي رحمه الواحد الأحد جلّ جلاله:-
(وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ يَحْفَظُكَ وَيَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ فَإِنْ قِيْلَ: أَلَيْسَ قَدْ شُجَّ رَأْسُهُ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ وَأُوْذِيَ بِضُرُوْبٍ مِنَ الأَذَى؟ قِيْلَ: مَعْنَاهُ يَعْصِمُكَ مِنَ القَتْلِ فَلَا يَصِلُوْنَ إِلَى قَتْلِكَ) تفسير البغوي (3/77).
فالذي يظهر أن لا تعارض بين هذه النصوص لأنّ فضيلة الشهادة من الكمالات المتحقّقة لجنابه الشريف صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، والعصمة متحققة وألم السُّمِّ من العوارض، التي لا تقدح فيها.
والأدلة على هذا كثيرة، منها:-
1ـ عَنْ سَيِّدِنَا أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ، قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
2ـ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، فَأَهْدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً فَتَنَاوَلَ مِنْهَا، وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، ثُمَّ رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ) الإمام الدارمي رحمه الله سبحانه.
3ـ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-
(لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ، فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: فُلاَنٌ، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ، قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
4ـ كان لقاء الحبيب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الطيب بالرفيق الأعلى بعد حادثة السمّ بثلاث سنوات.
ومن هنا تتأكد العصمة.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:-
(فِيهِ بَيَانُ عِصْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَاللَّهُ يعصمك من الناس وَهِيَ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَلَامَتِهِ مِنَ السُّمِّ الْمُهْلِكِ لِغَيْرِهِ) شرح النووي على مسلم (14/179).
قال الإمام ابن حجر رحمه الغفور الودود:-
(وَقَوْلُهُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ أَي الْأَلَم النَّاشِئ عَنْ ذَلِكَ الْأَكْلِ لَا أَنَّ الطَّعَامَ نَفْسَهُ بَقِيَ إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ) فتح الباري (10/245).
وقال الإمام ابن بطال رحمه الكبير المتعال:-
(قَالَ لِعَائِشَةَ: مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَر تعَادُنِي فَهَذَا أَوَانُ قَطْعِ أَبْهَرِي، لَكِنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ حِيْنَ لَمْ يَعْلَمٍ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى دَفَعَ عَنْهُ ضرَّ السُّمِّ بَعْدَ أَنْ أَطْلَعَهُ عَلَى المَكِيْدَةِ فِيْهِ بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ أَظْهَرَهَا لَهُ مِنْ كَلَامِ الذِّرَاعِ، ثُمَّ عَصَمَهُ اللهُ مِنْ ضُرِّهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، حَتَّى إِذَا دَنَا أَجَلُهُ بَغَى عَلَيْهِ السُّمّ، فَوَجَدَ أَلَمَهُ وَأَرَادَ اللهُ لَهُ الشَّهَادَةَ بِتِلْكَ الأَكْلَةِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَاقِبْهُمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اليَهُوْدَ قَالُوْا: أَرَدْنَا أَنْ نَخْتَبِرَ بِذَلِكَ نُبُوَّتَكَ وَصِدْقَكَ، فَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْذِرَهُمْ بِتَأْوِيْلِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ تَوَاضُعًا للهِ) شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/347).
وقال الإمام ابن سعد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله:-
(وَعَاشَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَ سِنِينَ حَتَّى كَانَ وَجَعُهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ جَعَلَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الأُكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُهَا يَوْمَ خَيْبَرَ عِدَادًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانَ انْقِطَاعِ أَبْهَرَيَّ. وَهُوَ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ. وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدًا. صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ وَرِضْوَانُهُ) الطبقات الكبرى (2/156).
ولقد مُكر به كثيرًا للتخلّص من جنابه الشريف من داخل مكة، وخارجها، ومن الكفار والمشركين، والأقرباء، والغرباء، وهذا ما أخبر به الحق جلّ ذكره:-
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة الأنفال: 30].
قال الامام الطبري رحمه الله تعالى:-
(وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ، نِعْمَتِي عِنْدَكَ، بِمَكْرِي بِمَنْ حَاوَلَ المَكْرَ بِكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ، بِإِثْبَاتِكَ أَوْ قَتْلِكَ أَوْ إِخْرَاجِكَ مِنْ وَطَنِكَ، حَتَّى اسْتَنْقَذْتُكَ مِنْهُمْ وَأَهْلَكْتُهُمْ، فَامْضِ لِأَمْرِي فِي حَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ مِنَ المُشْرِكِيْنَ، وَتَوَلَى عَنْ إِجَابَةِ مَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ مِنَ الدِّيْنِ القَيِّمِ، وَلَا يَرْعَبَنَّكَ كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّ رَبَّكَ خَيْرُ المَاكِرِيْنَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ، وَعَبَدَ غَيْرَهُ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ) تفسير الطبري (13/502).
وهذا كلّهُ لا ينافي العصمة، فهو يدعو الناس (23) عامًا، وهو الإمام في الصلاة، والجهاد، والقاضي في المنازعات، وهو محفوظٌ والعصمة قائمة، وحجّ بالناس حجّة الوداع وبلغهم المناسك وقال:-
(وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
وأشهدهم على التبليغ فشهدوا فقال: اللهمّ اشهد.
وعندما خُيّر بين زهرة الدنيا، أو اللقاء بالرفيق الأعلى، اختار ما عند الله جلّ في علاه.
فَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ المُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ:-
(وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أُطِيقُ أَنْ أَضَعَ يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ، كَمَا يُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.
فظهور ألم السُّمِّ لبلوغ المرام، ونيل التمام، وعلوّ المقام، للّقاء بالملك العليم العلام، حيث طلب ذلك.
فعن السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها قالت:-
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ الحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
وفي رواية أخرى قالت:-
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ مَرَضُهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا.
ونقل الإمام البيهقي رحمه الله تقدّست أسماؤه عن الحافظ العلامة برهان الدين البقاعي رحمه الباري سبحانه في تفسير سورة النصر عن أجَلِ النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام قال:-
(وَقَدْ أَفْرَدَ الحَافِظُ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّيْنِ البقَاعِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى الكَلَامَ عَلَى تَفْسِيْرِ سُوْرَةِ النَّصْرِ إِعْلَامًا بِتَمَامِ الدِّيْنِ اللَّازِمِ عَنْ مَدْلُوْلِ اسْمِهَا، اللَّازِم عَنْ مُوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّازِم عَنْهُ العِلْمُ بِأَنَّهُ مَا بَرَزَ إِلَى عَالَمِ الكَوْنِ وَالفَسَادِ إِلَّا لِإِعْلَاءِ كَلَمَةِ اللهِ تَعَالَى وَإِدْحَاضِ كَلَمَةِ الشَّيْطَانِ، اللّازِم عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلَاصَةُ الوُجُوْدِ وَأَعْظَمُ عَبْدٍ لِلْمَوْلَى الوَدُوْدِ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ أَيْضًا اسْمُهَا عَلَى التَّوْدِيْعِ وَحَال نُزُوْلِهَا وَهُوَ أَيَّامُ التَّشْرِيْقِ مِنْ سَنَةِ حِجَّةِ الوَدَاعِ) دلائل النبوة (5/310).
وقال أيضًا:-
(فَإِنَّ الأَمَانَ الأَوَّلَ الّذِي هُوَ وُجُوْدُكَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَدْ دَنَا رُجُوْعُهُ إِلَى مَعْدَنِهِ فِي الرَّفِيْقِ الأَعْلَى وَالمَحَلِّ الأَقْدَسِ) دلائل النبوة (5/311).
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد المختار، وآله الأبرار، وصحابته الأخيار، المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان إلى يومِ القرار.