9/10/2023
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيّدي وقرّة عيني في الدارين أسأل الله تعالى أنْ يمدّكم بالصحة والعافية، وأنْ يجزيكم خير الجزاء عن أمّة سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم.
سؤالي:-
إذا كان الشخص لديه ختمة قراءة القرآن الكريم وانقطع عنها فترة من الزمن، هل يجوز أنْ يكمل الختمة الكريمة أم يعيدها من جديد؟
أرجوكم الدعاء.
خادمكم / عمر طارق
الاسم: عمر طارق
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الميمون، ودعواتك الطيبة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يجمعني وإيّاكم على طاعته ومحبّته.
تستطيع أنْ تكمل الختمة وهو الأفضل، وتستطيع أنْ تعيدها من جديد.
إنّ تلاوة القرآن الكريم من أعظم القربات إلى الله سبحانه وأجلّها، قال الحق عزّ شأنه:-
{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [سورة فاطر: 29].
وقال الرحمة المهداة سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الْم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) الإمام الترمذي رحمه العليّ جلّ جلاله.
وقد بيّن حضرته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أنّ ارتقاء المسلم في الجنّة بحسب ما قرأ من القرآن العظيم، فقال:-
(يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْقَ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) الإمام أحمد رحمه الصمد تقدّست أسماؤه.
قال الإمام المنذري رحمه الله سبحانه:-
(قَالَ الْخَطَّابِيّ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ عَدَدَ آي الْقُرْآنِ عَلَى قَدْر دُرَجِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لِلْقَارِىء ارْقَ فِي الدرج عَلَى قَدْرِ مَا كُنْتَ تَقْرَأ مِنْ آي الْقُرْآنِ فَمَن اسْتَوْفَى قِرَاءَة جَمِيْع الْقُرْآن اسْتَوْلَى عَلَى أقْصَى درج الْجنَّة فِي الْآخِرَة، وَمَنْ قَرَأَ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ رُقِيّهُ فِي الدرجِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ فَيَكُوْنُ مُنْتَهَى الثَّوَابِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْقِرَاءَةِ) الترغيب والترهيب.
وقد أمرنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم وآله وصحبه الميامين أنْ نتعاهد القرآن الكريم فقال:-
(تَعَاهَدُوا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
(تَعَاهَدُوْا القُرْآنَ) أَي واظبوا عليه بالتلاوة والحفظ.
(تَفَصِّيًا) أي تَفَلّتًا.
(عُقُلِهَا) جَمع عِقَال وَهُوَ الحَبْلُ.
ويستحب للمسلم أنْ يكون له ورد يومي من القرآن الكريم، كلٌّ حسب حاله وظرفه، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:-
(وَقَدْ كَانَتْ لِلسَّلَفِ عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فِيْمَا يَقْرَؤُوْنَ كُلَّ يَوْمٍ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ وَوَظَائِفِهِمْ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَبعْضُهُمْ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا وَبَعْضُهُمْ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَبَعْضُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي سَبْعَةٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَةٍ وَكَثِيرٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَعْضُهُمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَبَعْضُهُمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ وَبَعْضُهُمْ ثَمَانِ خَتَمَاتٍ وَهُوَ أَكْثَرُ مَا بَلَغْنَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُسْتَكْثَرُ مِنْهُ مَا يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْتَادُ إِلَّا مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الدَّوَامَ عَلَيْهِ فِي حَالِ نَشَاطِهِ وَغَيْرِهِ هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ وَظَائِفُ عَامَّةٌ أَوْ خَاصَّةٌ يَتَعَطَّلُ بِإِكْثَارِ الْقُرْآنِ عَنْهَا فَإِنْ كَانَتْ لَهُ وَظِيفَةٌ عَامَّةٌ كَوِلَايَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلْيُوَظِّفْ لِنَفْسِهِ قِرَاءَةً يُمْكِنُهُ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا مَعَ نَشَاطِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ كَمَالِ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ) شرح الإمام النووي رحمه الله جلّ وعلا.
وقد أرشدت أحبابي من خلال وصاياي المنشورة في هذا الموقع الميمون، أنْ يثقّفوا النّاس بضرورة الالتزام بورد يومي من كتاب الله عزّ وجلّ، وسنّة سيّدنا الرسول المبجلّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكُمَّل.
ويُستحب أنْ لا يبدأ بختمة جديدة حتّى يستكمل الختمة السابقة لينال أجر الحال المرتحل، فعن سيّدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-
(قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الحَالُّ الْمُرْتَحِلُ. قَالَ: وَمَا الحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ القُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ) الإمام الترمذي رحمه العليّ جلّ وعلا.
قال الإمام الجزري رحمه الله جلّ ثناؤه في معنى الحال المرتحل:-
(وَهُوَ الَّذِي يَخْتِم الْقُرْآنَ بِتِلَاوَتِهِ، ثُمَّ يفتَتِح التِّلاَوة مِنْ أَوَّلِهِ، شَبَّهَهُ بِالْمُسَافِرِ يَبْلُغُ المنْزِل فيَحُلُّ فِيهِ، ثُمَّ يفْتتح سَيْره: أَيْ يَبْتَدِؤُه. وَكَذَلِكَ قُرَّاء أَهْلِ مَكَّةَ إِذَا خَتَموا القرآن بالتّلاوة ابتدأوا وقرأوا الْفَاتِحَةَ وخَمْس آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلى «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ثُمَّ يَقْطَعون الْقِرَاءَةَ، ويُسَمُّون فَاعِلَ ذَلِكَ: الحَالّ المُرْتَحل، أَيْ خَتم الْقُرْآنَ وابْتَدأ بِأَوَّلِهِ وَلَمْ يَفْصِل بَيْنَهُمَا بِزَمَانٍ. وَقِيلَ: أَرَادَ بالحَالّ المرتَحل الْغَازِي الَّذِي لَا يَقْفُل عَنْ غزْو إلاَّ عَقَبه بآخَر) النهاية في غريب الحديث والأثر.
وقد يعرض للإنسان عارض يقطعه عن ورده اليومي من القرآن الكريم، فإذا زال ذلك العارض جاز له أنْ يكمل الختمة التي بدأها وهو الأفضل، لأنّ الإنسان إذا شرع في عبادة تطوّع فقطعها، وجب عليه إتمامها على قول بعض الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ويستحب ذلك على قول البعض الآخر، قال الإمام الكاسانيّ الحنفيّ رحمه الله العليّ جلّ جلاله:-
(إذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِ، وَإِذَا أَفْسَدَهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي التَّطَوُّعِ وَلَا الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ التَّطَوُّعَ تَبَرُّعٌ وَأَنَّهُ يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْمُضِيُّ فِيهِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَسْلِيمٌ مِثْلُ الْوَاجِبِ، وَلَنَا أَنَّ الْمُؤَدَّى عِبَادَةٌ، وَإِبْطَالُ الْعِبَادَةِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فَيَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنْ الْإِبْطَالِ، وَذَا بِلُزُومِ الْمُضِيِّ فِيهَا، وَإِذَا أَفْسَدَهَا فَقَدْ أَفْسَدَ عِبَادَةً وَاجِبَةَ الْأَدَاءِ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ جَبْرًا لِلْفَائِتِ كَمَا فِي الْمَنْذُورِ وَالْمَفْرُوضِ، وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ كَمَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ تَبَرُّعٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ قَبْلَ الشُّرُوعِ.
وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فَقَدْ صَارَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ صِيَانَةُ الْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/290).
فأنت أيّها السائل الحبيب تستطيع أنْ تكمل ما بدأت من ختمتك المباركة وهو الأفضل على رأي مَنْ قال بالوجوب، وتستطيع أنْ تعيد تلك الختمة على رأي مَنْ لم يوجب الإتمام.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.